تواجه الساحة الدولية تصعيدًا حادًا في التوترات، بدءًا من تهديدات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بشأن جرينلاند، وصولًا إلى الأزمة المتفاقمة في إيران، وتداعياتها على التحالفات العسكرية والاقتصادية العالمية. وتُشكل هذه الأحداث تحديًا كبيرًا للناتو، وأمن المنطقة، واستقرار الأسواق، وتثير تساؤلات حول مستقبل العلاقات الدولية. تتراوح التطورات بين محاولات الاستيلاء على الأراضي، والضربات العسكرية المحتملة، والعقوبات الاقتصادية، مما يستدعي تحركًا دبلوماسيًا مكثفًا.
أعلنت مفوضة الاتحاد الأوروبي السابقة، مارغريت فيستاغر، أن طموحات الرئيس الأمريكي ترامب في الاستيلاء على جرينلاند، وهي منطقة تابعة للدنمارك تتمتع بحكم ذاتي، تمثل تهديدًا “وجوديًا” للتحالف العسكري للناتو. وأكدت الحكومة الجرينلندية رفضها القاطع لأي محاولة أمريكية للاستيلاء على أراضيها “تحت أي ظرف من الظروف”، مع التزامها بتطوير دفاعاتها ضمن “إطار الناتو”. في حين ذلك، تفادى الأمين العام للناتو، مارك روت، التعليق على المسألة، مشيدًا بالرئيس ترامب ونفي وجود أزمة داخل التحالف.
التهديدات الأمريكية وتداعياتها على الناتو
يأتي تصريح فيستاغر في سياق مخاوف متزايدة من السياسات الخارجية غير التقليدية للرئيس ترامب، والتي تشمل انتقاداته المتكررة لحلفاء الولايات المتحدة في الناتو، وتقليله من أهمية التحالف. ويعتبر الاستيلاء على أراضي دولة حليفة بمثابة خرق سافر لمبادئ الناتو، وقواعد القانون الدولي. وكان ترامب قد أبدى اهتمامًا بشراء جرينلاند في الماضي، واصفًا إياها بأنها “استثمار استراتيجي” للولايات المتحدة، وهو ما أثار استياءً واسعًا في الدنمارك وجرينلاند.
يذكر أن أهمية جرينلاند تكمن في موقعها الاستراتيجي في منطقة القطب الشمالي، بالإضافة إلى الثروات الطبيعية الهائلة التي تزخر بها. وبينما تُركز الولايات المتحدة على الجوانب الاستراتيجية والاقتصادية، تؤكد الدنمارك وجرينلاند على أهمية الحفاظ على سيادتهما وحقهما في تقرير مصيرهما.
الأزمة الإيرانية وتصعيد التوترات
على صعيد متصل، تشهد إيران أزمة داخلية حادة، وسط ردود فعل دولية متباينة على قمع الاحتجاجات الشعبية. يجري الرئيس ترامب تقييمًا “لخياراته” بشأن الرد على عنف النظام الإيراني، مما يجعل الساعات القادمة حاسمة بالنسبة لمستقبل إيران. وقد أعلنت إدارة ترامب عن فرض رسوم جمركية بنسبة 25% على الدول “التي تمارس أعمالًا” مع إيران، في خطوة قد تضر بشكل خاص بالصين.
على الرغم من تأكيد البيت الأبيض أن الدبلوماسية لا تزال “الخيار الأول” للرئيس ترامب، تشير تقارير إلى أنه يميل نحو شن ضربات عسكرية جديدة ضد إيران. وفي محاولة لتهدئة الموقف، اجتمع المبعوث الأمريكي، ستيف ويتكوف، مع وزير الخارجية الإيراني، عباس أراغجي، خلال نهاية الأسبوع الماضي. وفي الوقت نفسه، قامت إيران باستدعاء سفرائها في المملكة المتحدة وألمانيا وإيطاليا وفرنسا للاحتجاج على دعمهم لحركة الاحتجاج. كما اضطرت بعض البعثات الدبلوماسية، مثل السفارة الفرنسية في طهران، إلى إجلاء موظفيها غير الضروريين.
العقوبات الأوروبية المحتملة
من جهته، رد الاتحاد الأوروبي بتصعيد الإجراءات الدبلوماسية، حيث حظر على الدبلوماسيين الإيرانيين دخول البرلمان الأوروبي. وتدرس المفوضية الأوروبية أيضًا خططًا لفرض “عقوبات أكثر صرامة” على النظام الإيراني، بما في ذلك إمكانية تصنيف فيلق القدس التابع للحرس الثوري الإيراني كمنظمة إرهابية. ومع ذلك، يتطلب مثل هذا الإجراء موافقة بالإجماع من جميع الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي.
الضغط الدبلوماسي وتطورات أخرى
بالإضافة إلى ذلك، تشهد السياسة الأوروبية تطورات أخرى. فقد أعلنت المفوضية الأوروبية عن استعدادها لإجراء محادثات مباشرة مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين “في مرحلة ما”، لكنها أكدت في الوقت ذاته أن الظروف لا تزال غير مواتية. يأتي هذا التحول في الموقف تزامنًا مع الدعوة التي أطلقها الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون إلى إعادة إرساء الحوار مع موسكو، وهو ما لاقى دعمًا من رئيسة الوزراء الإيطالية جورجيا ميلوني.
وفي سياق الانتخابات الهنغارية المرتقبة، أفادت مصادر بأن المفوضية الأوروبية قامت بتجميد القرارات المتعلقة بملفات المجر، وذلك لتجنب التدخل في الحملة الانتخابية ولحرمان رئيس الوزراء فيكتور أوربان من الوقود اللازم لخطابه المناهض للاتحاد الأوروبي. أما فيما يتعلق بفرنسا، فمن المقرر أن تبدأ محكمة الاستئناف في باريس جلسات حول إمكانية ترشح مارين لوبان للرئاسة، وهو ما سيكون له تأثير كبير على مستقبل حزبها “التجمع الوطني”.
تشكل هذه التطورات الدولية والإقليمية مؤشرًا على حالة من عدم اليقين والتقلب، وتتطلب رصدًا دقيقًا وتحركًا دبلوماسيًا حذرًا. ومن المتوقع أن يستمر الضغط على إيران في ظل استمرار الاحتجاجات وقمعها، وأن تتصاعد التوترات في منطقة القطب الشمالي بشأن جرينلاند. كما يظل مستقبل العلاقات بين أوروبا وروسيا معلقًا، في انتظار أي بادرة انفراج من جانب موسكو. من الضروري مراقبة ردود فعل الدول المختلفة، وخاصة الولايات المتحدة والصين وروسيا، وتقييم تأثير هذه الأحداث على الاقتصاد العالمي وأمن المنطقة.






