أظهرت دراسة حديثة أن الأبقار يمكن أن تستخدم الأدوات بذكاء، وهو اكتشاف يغير فهمنا للقدرات المعرفية لهذه الحيوانات. وقد أثارت هذه النتائج، التي تركز على بقرة نمساوية تدعى “فيرونيكا”، اهتمامًا واسعًا في الأوساط العلمية، حيث كانت القدرة على استخدام الأدوات تعتبر حكرًا على الرئيسيات وبعض الطيور والثدييات البحرية. هذا الاكتشاف الجديد يفتح الباب أمام إعادة تقييم الذكاء لدى الأبقار.
تم رصد “فيرونيكا”، وهي بقرة أليفة تعيش في النمسا، وهي تستخدم أغصان الأشجار لخدش جسدها للتخفيف من الحكة والتهيج الجلدي. لم يتم تدريبها على ذلك، بل طورت هذه القدرة بشكل تلقائي على مدى السنوات العشر الماضية. وقد أكدت الأبحاث التي أجراها فريق من الباحثين في فيينا أن سلوكها متسق وفعال في تحقيق الهدف المنشود.
الذكاء لدى الأبقار: اكتشاف غير متوقع
لطالما اعتبرت الأبقار حيوانات ذات قدرات معرفية محدودة، ولكن سلوك “فيرونيكا” يتحدى هذا التصور. فقد أظهرت البقرة قدرة على اختيار الأدوات المناسبة بناءً على الملمس والصلابة، وتعديل تقنيتها لتناسب المنطقة التي ترغب في خدشها. هذا المستوى من التكيف والمرونة في استخدام الأدوات لم يسبق له مثيل في الأبقار.
وفقًا للدراسة المنشورة في مجلة “Current Biology”، فإن “فيرونيكا” لا تكتفي باستخدام أي أداة للخدش، بل تختار بعناية الجزء الأكثر فعالية من الأداة. وهذا يشير إلى أنها قادرة على تقييم الخصائص الوظيفية للأشياء من حولها واتخاذ قرارات مستنيرة.
كيف طورت “فيرونيكا” هذه المهارة؟
يرى الباحثون أن البيئة التي نشأت فيها “فيرونيكا” لعبت دورًا حاسمًا في تطوير هذه المهارة. فهي تعيش في بيئة مفتوحة ومعقدة مليئة بالأشياء التي يمكن التلاعب بها، وهو ما يختلف تمامًا عن الظروف التي تعيشها الأبقار التي تربى لإنتاج اللحوم والألبان. هذه الظروف شجعت السلوك الاستكشافي والابتكاري.
بالإضافة إلى ذلك، فإن عدم استخدام “فيرونيكا” في إنتاج اللحوم أو الألبان سمح لها بالعيش حياة أكثر حرية واستقلالية، مما قد يكون ساهم في تطوير قدراتها المعرفية.
يقول ميغيل يورينتي، مدير قسم علم النفس بجامعة جيرونا، والذي لم يشارك في الدراسة، إن هذا الاكتشاف يمثل مثالاً رائعًا على التطور المتقارب. حيث يظهر الذكاء استجابة لمشاكل مماثلة، بغض النظر عن مدى اختلاف تصميم الحيوان. وهذا يشير إلى أن الذكاء ليس حكرًا على مجموعة معينة من الحيوانات، بل يمكن أن يتطور بشكل مستقل في أنواع مختلفة.
هذا الاكتشاف يثير تساؤلات حول القدرات المعرفية للحيوانات الأخرى التي لم تحظَ بالاهتمام الكافي. فقد يكون هناك العديد من الحيوانات الأخرى القادرة على استخدام الأدوات بذكاء، ولكننا لم نكتشف ذلك بعد بسبب نقص الأبحاث أو بسبب الظروف البيئية التي تعيشها.
تعتبر دراسة سلوك الحيوانات، مثل الأبقار، أمرًا بالغ الأهمية لفهم التطور المعرفي وتحديد العوامل التي تؤثر على الذكاء. كما أنها تساعدنا على تطوير طرق أكثر إنسانية لتربية الحيوانات ورعايتها. الأبقار، على وجه الخصوص، هي جزء مهم من النظام الغذائي العالمي، وفهم قدراتها المعرفية يمكن أن يؤدي إلى تحسين ظروف حياتها.
الزراعة ورفاهية الحيوان هما مجالان مرتبطان ارتباطًا وثيقًا، وهذا الاكتشاف يضيف بعدًا جديدًا لهذا الارتباط. فقد يؤدي فهم الذكاء لدى الأبقار إلى تطوير ممارسات زراعية أكثر استدامة وإنسانية.
الخطوة التالية في هذا البحث هي جمع المزيد من الأدلة على استخدام الأدوات من قبل الأبقار الأخرى. يبحث الباحثون حاليًا عن مقاطع فيديو تظهر سلوكيات مماثلة لـ “فيرونيكا” في محاولة لتحديد ما إذا كانت هذه القدرة شائعة بين الأبقار أم أنها مقتصرة على هذه البقرة الفردية. من المتوقع أن يستغرق هذا الجهد البحثي عدة أشهر قبل الوصول إلى نتائج قاطعة.
في الختام، يمثل اكتشاف قدرة بقرة على استخدام الأدوات بذكاء نقطة تحول في فهمنا للقدرات المعرفية للحيوانات. ومع استمرار الأبحاث، قد نكتشف المزيد من المفاجآت حول ذكاء الأبقار والحيوانات الأخرى التي تشاركنا هذا الكوكب.






