في خضم التوترات التجارية المتصاعدة والخطابات السياسية المثيرة للجدل، تجد آيسلندا نفسها أمام مفترق طرق جيوسياسي واقتصادي هام. فبعد أن هدد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بضم جرينلاند، وعرض مرشحه للسفارة جعل آيسلندا الولاية الأمريكية الثانية والخمسين، باتت بروكسل وبيروقراطيتها تبدو خياراً جذاباً بشكل غير متوقع. هذه التطورات تدفع للبحث في واقع آيسلندا الاقتصادي وعلاقاتها الدولية، خاصة فيما يتعلق بعلاقتها المحتملة بالاتحاد الأوروبي.
كانت آيسلندا في السابق قد قدمت طلباً للانضمام إلى الاتحاد الأوروبي في عام 2009، وذلك عقب انهيار نظامها المصرفي. ومع ذلك، ومع استعادة الاقتصاد لعافيته، قامت ريكيافيك بتجميد المفاوضات في عام 2013، وسحبت طلبها بالكامل بعد عامين. تبرز حقوق الصيد كأكبر عقبة أمام أي انضمام مستقبلي، حيث يعتمد الاقتصاد الآيسلندي بشكل كبير على مياهه.
آيسلندا والاتحاد الأوروبي: إعادة تقييم العلاقة
لطالما كانت مسألة عضوية آيسلندا في الاتحاد الأوروبي موضوع نقاش. في حين أن الانضمام سيجلب فوائد اقتصادية للاتحاد، مثل الاستفادة من الناتج المحلي الإجمالي للفرد في آيسلندا الذي يبلغ ضعف المتوسط الأوروبي، إلا أن حجم سكان آيسلندا الصغير، الذي يمثل أقل من 1.222 من إجمالي سكان الكتلة المؤلفة من 27 دولة، يطرح تساؤلات حول مدى تأثيرها السياسي.
علاوة على ذلك، فإن آيسلندا مندمجة بالفعل بعمق في الهياكل الأوروبية. فهي عضو مؤسس في حلف شمال الأطلسي (الناتو) وجزء من المنطقة الاقتصادية الأوروبية (EEA)، مما يعني أنها تتبنى قوانين الاتحاد الأوروبي دون أن يكون لها حق التصويت. هذا الوضع القائم يجعل من التساؤل حول الحاجة إلى عضوية كاملة أمراً منطقياً.
البدائل الاقتصادية والمقارنات الإقليمية
في سياق العلاقات الدولية المتغيرة، قد تبدو البدائل الأخرى، مثل أن تصبح آيسلندا ولاية أمريكية، أقل جاذبية. لقد شكك ترامب باستمرار في قيمة الاتحاد الأوروبي التجاري، ووصفه بأنه “سيء” للتجارة. في المقابل، فإن السيناريو المطروح حالياً والذي يجمع بين المخاوف بشأن العلاقات التجارية والضغوط السياسية، يجعل من العودة إلى مسألة الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي أمراً جديراً بالاهتمام.
للإشارة، تتبع النرويج نموذجاً مشابهاً. فهي عضو في المنطقة الاقتصادية الأوروبية ولكنها خارج الاتحاد الأوروبي، وتظهر استطلاعات الرأي انقساماً حول العضوية الكاملة. أما جرينلاند، فقد انسحبت من سلف الاتحاد الأوروبي في عام 1985 بسبب حصص الصيد، وتظل اليوم خارج الكتلة كإقليم يتمتع بالحكم الذاتي ضمن مملكة الدنمارك.
إن التهديدات الأمريكية الأخيرة، سواء فيما يتعلق بالتعريفات الجمركية أو الأفكار حول ضم أراضٍ، تلقي بظلالها على القرارات المستقبلية لآيسلندا. إذا كانت العلاقات مع الولايات المتحدة تبدو متقلبة، فإن البناء على أساس علاقات متينة مع الاتحاد الأوروبي، حتى لو كان ذلك يتطلب مفاوضات شاقة حول قضايا مثل حقوق الصيد، قد يكون خياراً استراتيجياً يعود بالنفع على المدى الطويل.
في الوقت الحالي، يبدو أن التفكير في الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي، والذي كان موضوعاً مؤجلاً، يعود إلى الواجهة. وكما يقولون في ريكيافيك: “سكال” (Skál)، وهي عبارة ترحيبية أو دعوة للنخب، قد تكون تعبيراً عن استئناف النقاش والتفكير في مستقبل آيسلندا.
يبقى السؤال الرئيسي هو ما إذا كانت آيسلندا ستنجح في معالجة مسألة حقوق الصيد التي كانت سبباً للانسحاب سابقاً، وما إذا كانت الظروف الجيوسياسية الحالية ستدفع نحو إعادة إحياء مفاوضات الانضمام. الفترة القادمة ستكون حاسمة في تحديد ما إذا كانت بروكسل ستصبح في المستقبل وجهة آيسلندا السياسية والاقتصادية، أم ستستمر في مسارها الحالي ضمن المنطقة الاقتصادية الأوروبية.






