أكدت فرنسا والمملكة المتحدة نيتهما نشر جنودهما على الأراضي الأوكرانية بعد وقف إطلاق نار محتمل، كجزء من حزمة أوسع من الضمانات الأمنية لكييف لتجنب تكرار الغزو الروسي واسع النطاق في المستقبل. وتعد هذه الخطوة، الموجهة نحو تعزيز الأمن في أوكرانيا، ذات أهمية بالغة في سياق المفاوضات الجارية والجهود الرامية إلى تحقيق سلام دائم في المنطقة.
تم التوقيع على هذا الالتزام في إعلان رسمي من قبل الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون ورئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر والرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي في ختام اجتماع “تحالف المترددين” في باريس يوم الثلاثاء. يمثل هذا الاجتماع تجمعًا لقادة وممثلين من حوالي 30 دولة غربية بالإضافة إلى تركيا وأستراليا واليابان ونيوزيلندا.
ضمانات أمنية جديدة لأوكرانيا
أعلن ستارمر أن المملكة المتحدة وفرنسا ستنشئان مراكز عسكرية في جميع أنحاء أوكرانيا وتبنيان منشآت محمية للأسلحة والمعدات العسكرية لدعم الاحتياجات الدفاعية لأوكرانيا بعد وقف إطلاق النار. وتهدف هذه المراكز إلى توفير دعم لوجستي وتقني مستمر للجيش الأوكراني.
من جانبه، قال ماكرون إن القوة متعددة الجنسيات ستنتشر “بعيدًا عن خط التماس” في البر والبحر والجو لتوفير “التطمينات” اللازمة لمنع روسيا من مهاجمة أوكرانيا مرة أخرى. وأضاف أن تركيا ستنضم إلى العملية بتقديم الدعم البحري. وتأتي هذه الضمانات بعد أشهر من المناقشات حول كيفية دعم أوكرانيا بشكل أفضل في مواجهة العدوان الروسي.
وأكد ماكرون أن الضمانات الأمنية هي “المفتاح لضمان عدم تحول اتفاق السلام إلى استسلام لأوكرانيا أو تهديد جديد لها”. وتعتبر هذه الضمانات جزءًا من جهد أوسع لتقديم دعم طويل الأجل لأوكرانيا، بما في ذلك المساعدة العسكرية والاقتصادية والسياسية.
تشمل الضمانات التي نوقشت يوم الثلاثاء آلية متطورة بقيادة الولايات المتحدة لمراقبة وقف إطلاق النار، والتزامًا قانونيًا ملزمًا بتقديم المساعدة لأوكرانيا في حالة وقوع هجوم روسي جديد. وقد تم تصميم هذا الالتزام على غرار المادة الخامسة من حلف شمال الأطلسي (الناتو) بشأن الدفاع الجماعي، والتي تنص على أن الهجوم على دولة عضو واحدة يعتبر هجومًا على جميع الدول الأعضاء.
تحديات محتملة في التنفيذ
ومع ذلك، فإن تنفيذ هذا الالتزام قد يواجه تحديات. ففي الولايات المتحدة، على سبيل المثال، سيتطلب الأمر موافقة الكونجرس، وهو ما قد يكون صعبًا في ظل تراجع الدعم لأوكرانيا في بعض الأوساط السياسية. بالإضافة إلى ذلك، قد تحتاج الحكومات الأوروبية إلى إقناع برلماناتها بالموافقة على هذا الالتزام، وهو ما قد يكون صعبًا في ظل حالة الجمود السياسي التي تشهدها بعض الدول.
أعرب المستشار الألماني فريدريش ميرز عن الحاجة إلى موافقة البوندستاغ (البرلمان الألماني) على أي مساهمة ألمانية، واقتصر نشر القوات العسكرية على الدول المجاورة لأوكرانيا. ومع ذلك، أضاف ميرز أن “ألمانيا لا تستبعد أي شيء بشكل قاطع”.
أعلن رئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانشيز أنه سيبدأ محادثات مع الأحزاب الرئيسية لمناقشة مساهمة إسبانيا، والتي قد تشمل نشر قوات. وأعرب سانشيز عن تفاؤله بإمكانية أن يكون عام 2026 هو العام الذي ينتهي فيه الحرب، مؤكدًا أن أوروبا لا تريد هذه الحرب.
وقد أشاد زيلينسكي بالاجتماع ووصفه بأنه “خطوة كبيرة إلى الأمام”، لكنه أشار إلى أن الجهود لا تزال غير كافية. وقال إن الأمر لن يكون كافيًا إلا عندما تنتهي الحرب في أوكرانيا.
في الوقت الحالي، لم تبدِ روسيا أي مؤشرات على استعدادها لتقديم تنازلات بشأن اتفاق سلام وإنهاء الحرب، بل استمرت في وتيرة ضرباتها بالطائرات بدون طيار والصواريخ ضد المدن الأوكرانية، مما أسفر عن مقتل وإصابة العديد من المدنيين وتدمير البنية التحتية. ووفقًا لستارمر، فإن الرئيس بوتين لا يزال غير مستعد للسلام على الرغم من تصريحاته.
تأتي هذه التطورات في ظل سياقات جيوسياسية معقدة، بما في ذلك الحرب المستمرة في أوكرانيا، وتصاعد التوترات بين روسيا والغرب، والتحولات في السياسة الأمريكية. وتعتبر قضية الدعم العسكري لأوكرانيا من القضايا الرئيسية التي تشغل بال المجتمع الدولي.
تعتبر الضمانات الأمنية المقترحة بمثابة محاولة لتقديم بديل لضم أوكرانيا إلى حلف الناتو، وهو ما تعارضه روسيا بشدة ولا تدعمه الولايات المتحدة في ظل إدارة الرئيس ترامب. وتهدف هذه الضمانات إلى توفير رادع موثوق به لأوكرانيا، مما قد يشجعها على التخلي عن طموحها في الانضمام إلى الناتو.
الخطوة التالية المتوقعة هي مناقشة تفاصيل هذه الضمانات الأمنية وتحديد مساهمات كل دولة عضو في التحالف. ومن المتوقع أن تستمر هذه المناقشات في الأسابيع والأشهر المقبلة، مع التركيز على إيجاد حلول عملية وقابلة للتنفيذ. ومن الأمور التي يجب مراقبتها عن كثب موقف البرلمانات الوطنية من الموافقة على هذا الالتزام، بالإضافة إلى تطورات الوضع على الأرض في أوكرانيا.
وتشمل القضايا الأخرى التي يجب مراقبتها تطوير آلية المراقبة التكنولوجية المتطورة لوقف إطلاق النار، وتحديد كيفية الاستجابة في حالة وقوع هجوم روسي جديد. وتعتبر هذه الضمانات الأمنية بمثابة محاولة لتهدئة التوترات في المنطقة وإيجاد حل دائم للصراع في أوكرانيا، مع الأخذ في الاعتبار مصالح جميع الأطراف المعنية. وتظل قضية السلام في أوكرانيا من القضايا الأكثر أهمية في السياسة الدولية.






