تتصاعد الانتقادات في أوروبا، وتحديدًا من فرنسا، ضد قرار المفوضية الأوروبية بإرسال المفوضة لشؤون دول البحر الأبيض المتوسط، دوبرافكا شويكا، كمراقبة لاجتماع “مجلس السلام” الذي أسسه الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب. فقد طالبت باريس بتفسير واضح لهذه الخطوة، مؤكدة أن شويكا لا تملك تفويضًا رسميًا للمشاركة في هذا الحدث، مما يثير تساؤلات حول صلاحيات المفوضية ودورها في السياسة الخارجية للاتحاد الأوروبي.

المفوضة الأوروبية لشؤون دول البحر الأبيض المتوسط، دوبرافكا شويكا، تواجه غضبًا متصاعدًا من عدة دول أوروبية، وعلى رأسها فرنسا، عقب مشاركتها كمراقبة في الاجتماع الأول لـ “مجلس السلام” التابع للرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب. أكد متحدث باسم الحكومة الفرنسية أن باريس تفاجأت بهذه المشاركة، مشيرًا إلى أن المفوضة لا تملك تفويضًا من مجلس الاتحاد الأوروبي لحضور هذا الاجتماع، وأنها ستواجه مساءلة عند عودتها. هذا القرار أثار مخاوف لدى عدد من الدول الأعضاء، التي حذرت من أن حضور شويكا قد يُفسر كتأييد جماعي لجسم مثير للجدل.

باريس تطالب بتفسير حول مشاركة شويكا في “مجلس السلام”

أعربت فرنسا، بالإضافة إلى بلجيكا وإسبانيا وأيرلندا وسلوفينيا والسويد والبرتغال، عن اعتراضها على مشاركة شويكا في الاجتماع الذي عُقد في واشنطن. وقد جاءت هذه الاعتراضات خلال اجتماع سري للسفراء الأوروبيين، حيث تم التحذير من أن وجودها قد يُعتبر بمثابة تبني جماعي لـ “مجلس السلام”، الذي تعرض لانتقادات واسعة بسبب ميثاقه الذي يتجاهل الوضع في غزة، ويركز على ولاية عالمية تهدف إلى استبدال دور الأمم المتحدة، بالإضافة إلى منح صلاحيات واسعة لترامب كرئيس دائم.

وقد صاغ الجهاز الدبلوماسي للاتحاد الأوروبي وثيقة غير رسمية، اطلعت عليها “يورونيوز”، تسلط الضوء على قضايا قانونية متعددة تتعلق بميثاق “مجلس السلام”. ومن بين هذه القضايا، تبرز مسألة “استقلالية النظام القانوني للاتحاد الأوروبي التي تتعارض مع تركيز السلطات في يد الرئيس”. وأضاف المتحدث باسم الحكومة الفرنسية أن “مجلس السلام بحاجة إلى إعادة التركيز على الوضع في غزة”، مشددًا على أنه “ما دامت هناك ضبابية حول معايير (المجلس)، فإن فرنسا لا يمكنها المشاركة”.

من جانبها، أكدت وزيرة الخارجية السلوفينية، تانيا فايون، أن حكومتها لديها “تحفظات” على مشاركة شويكا، مشيرة إلى أن المفوضة تفتقر إلى السلطة على السياسة الخارجية للاتحاد الأوروبي، والتي يتم اتخاذ قراراتها بالإجماع بين الدول الأعضاء. هذا الموقف يعكس انقسامًا داخل الاتحاد الأوروبي حول كيفية التعامل مع مبادرات عالمية تتجاوز صلاحيات المؤسسات القائمة.

في المقابل، دافعت المفوضية الأوروبية عن مشاركة شويكا، مؤكدة أن حضورها يندرج ضمن جهود الاتحاد الأوروبي للمساهمة في جهود التعافي وإعادة الإعمار في غزة بعد الحرب. وأوضح متحدث باسم المفوضية أن “مشاركتنا يجب أن تُرى في سياق التزامنا طويل الأمد بتنفيذ وقف إطلاق النار في غزة، وكذلك التزامنا بالمشاركة في الجهود الدولية المتعلقة بالتعافي وإعادة إعمار غزة”. وأضاف المتحدث: “نعتقد أننا بحاجة إلى أن نكون على الطاولة، وإلا سنكون مجرد دافعين ولن نكون لاعبين” في مستقبل غزة.

تُعدّ المفوضية الأوروبية أكبر جهة مانحة للمساعدات الإنسانية للشعب الفلسطيني، حيث بلغ إجمالي مساهماتها في الأراضي الفلسطينية 1.65 مليار يورو منذ اندلاع الصراع بين إسرائيل وحماس في 7 أكتوبر 2023. وأشار متحدث باسم المفوضية إلى أن 14 دولة عضوًا من أصل 27 قد أرسلت ممثلاً دبلوماسيًا إلى الاجتماع، وهو ما يُعد مؤشرًا واضحًا على رغبة الحكومات الأوروبية في عدم التهميش من المحادثات حول مستقبل غزة.

تزايد ردود الفعل المنتقدة

على الرغم من ذلك، فإن غالبية الدول الأعضاء اختارت إرسال دبلوماسي أو موظف مدني، بينما أرسلت المفوضية ممثلة سياسية. هذه الخطوة أثارت استياء العديد من العواصم الأوروبية، بحسب ما أفاد دبلوماسيون. وأكد مسؤول في الاتحاد الأوروبي، تحدث شريطة عدم الكشف عن هويته، أن شويكا لا تعتزم التدخل خلال الاجتماع للتعبير عن مواقف المفوضية، وأن وجودها يهدف إلى تجنب استبعاد الاتحاد الأوروبي تمامًا من خطط “مجلس السلام” بشأن تعافي غزة.

تستمر المفوضية الأوروبية في التأكيد على أنها لن تنضم للمجلس كعضو، مشيرة إلى شكوك حول نطاق عمله وحوكمته و”توافقه” مع ميثاق الأمم المتحدة. وتُعدّ هنغاريا وبلغاريا الدولتين الوحيدتين من الاتحاد الأوروبي اللتين أعربتا عن رغبتهما في الانضمام للمجلس كعضوين دائمين. ومع ذلك، فقد أرسلت 14 دولة، بما في ذلك ألمانيا وإيطاليا وهولندا وبولندا، ممثلين دبلوماسيين لحضور الاجتماع كمراقبين.

كما أثارت مشاركة شويكا غضبًا بين أعضاء البرلمان الأوروبي. فقد تساءلت ناتالي لوازو، عضوة البرلمان الأوروبي والمنتمية للجنة الشؤون الخارجية، عن “التفويض” الذي يسمح لشويكا بالمشاركة في الاجتماع في واشنطن. وكتبت عبر منصة “إكس”: “منذ متى تقرر المفوضية مثل هذه القضايا خلف ظهر الدول الأعضاء؟ عليها أن تقدم تفسيرًا سريعًا”. وأصدرت مجموعات “الاشتراكيون والديمقراطيون” و”تجديد أوروبا” بيانات تدعو المفوضية إلى توضيح قرارها. وذكرت مجموعة “تجديد أوروبا”: “إضفاء الشرعية على هيئة تُهمش الأمم المتحدة وتدعو إلى نفوذ استبدادي يتعارض مع مبادئ الاتحاد الأوروبي”. أما مجموعة “اليسار”، فقد وصفت التحرك بأنه “عمل بائس للانحناء لترامب”.

يبقى السؤال المطروح الآن هو ما إذا كانت المفوضية الأوروبية ستتمكن من تقديم تفسيرات مقنعة للدول الأعضاء، وما هي تداعيات هذا الخلاف على وحدة موقف الاتحاد الأوروبي في القضايا الدولية. ستراقب بروكسل عن كثب ردود الفعل المستقبلية، خاصة مع استمرار التوتر السياسي حول مبادرات الرئيس الأمريكي السابق وتأثيرها على النظام العالمي.

شاركها.