بدأت الاتحاد الأوروبي في فرض رسوم على انبعاثات الكربون على واردات سلع ثقيلة مثل الصلب والألومنيوم والإسمنت اعتبارًا من 1 يناير، في خطوة تهدف إلى حماية الصناعات الأوروبية من المنافسة غير العادلة. يُعرف هذا الإجراء باسم “آلية تعديل الكربون الحدودية” (CBAM) وهو يمثل تحولًا كبيرًا في سياسات التجارة والبيئة. تأتي هذه الخطوة وسط تصاعد التوترات التجارية العالمية وتزايد الضغوط على الدول لخفض انبعاثات الكربون.
يهدف الإجراء الجديد إلى معالجة مشكلة “تسرب الكربون” – حيث تنتقل الشركات كثيفة الاستهلاك للطاقة إلى دول ذات لوائح بيئية أقل صرامة، مما يقوض الجهود العالمية لمكافحة تغير المناخ. ومع ذلك، أثارت هذه الرسوم مخاوف بشأن خلق حواجز تجارية جديدة واحتمال نشوب نزاعات مع الدول غير الأعضاء في الاتحاد الأوروبي.
آلية تعديل الكربون الحدودية: التفاصيل والتحديات
بدأت فترة انتقالية مدتها ثلاث سنوات في عام 2023، تهدف إلى منح الصناعات الوقت الكافي لتقديم تقارير عن انبعاثات الكربون لديها من خلال جمع البيانات واختبار المنهجيات. خلال هذه الفترة، يركز الاتحاد الأوروبي على بناء نظام فعال للتحقق من الانبعاثات.
ابتداءً من عام 2026، سيُطلب من المستوردين إلى الاتحاد الأوروبي شراء وتسليم شهادات CBAM تتوافق مع انبعاثات الكربون المضمنة في صادراتهم. من المتوقع أن تتراوح أسعار هذه الشهادات بين 70 و 100 يورو للطن الواحد من ثاني أكسيد الكربون، بما يتماشى مع أسعار سوق الكربون الأوروبي. الدول التي لديها بالفعل أسواق للكربون ستتمكن من خصم الضرائب المدفوعة محليًا.
وفقًا لاتفاقية الأمم المتحدة الإطارية بشأن تغير المناخ (UNFCCC)، تعتبر الصناعات الثقيلة مثل الصلب والألومنيوم مساهمًا رئيسيًا في انبعاثات ثاني أكسيد الكربون، حيث تمثل ما يصل إلى 15٪ من إجمالي انبعاثات غازات الاحتباس الحراري المرتبطة بالطاقة في الاتحاد الأوروبي.
ردود الفعل الدولية وضغوط على الاتحاد الأوروبي
واجهت آلية تعديل الكربون الحدودية انتقادات من عدة دول، بما في ذلك الولايات المتحدة والصين والهند وروسيا وجنوب إفريقيا، حيث يرى البعض أنها تمثل شكلًا من أشكال الحمائية التجارية. مارست الولايات المتحدة ضغوطًا على الاتحاد الأوروبي لسحب القانون خلال زيارة رسمية لمسؤول الطاقة الأمريكي كريس رايت لبروكسل في أكتوبر، مدعيةً أنه سيخلق حواجز تجارية كبيرة بين الشركاء عبر الأطلسي. وقبل ذلك، ضاعفت الولايات المتحدة الرسوم الجمركية على السلع الأوروبية وزادت الرسوم على الصلب والألومنيوم إلى 50٪.
بينما يؤكد الاتحاد الأوروبي أن القانون يهدف إلى تشجيع الدول الأخرى على تبني تسعير الكربون وطرق إنتاج أنظف، يخشى البعض من أنه قد يؤدي إلى تفاقم التوترات التجارية القائمة. بالإضافة إلى ذلك، يثير الإجراء الجديد تساؤلات حول التوافق مع قواعد منظمة التجارة العالمية.
موقف مصر من آلية تعديل الكربون الحدودية
حتى الآن، تعد مصر أول دولة طلبت إعفاءً من الاتحاد الأوروبي فيما يتعلق بـ CBAM، وفقًا لوسائل الإعلام المحلية. تعمل القاهرة على تطوير ضريبة كربونية داخلية خاصة بها لحماية صناعتها المحلية من آثار ضريبة الكربون الأوروبية، مشيرةً إلى أن صناعة الحديد والصلب قد تتحمل 74٪ من الأثر المالي لضريبة الكربون.
التأثير على الشركات وتكاليف الإنتاج
يرى جان مارك جيرمان، الرئيس التنفيذي لشركة Constellium، التي تمثل صناعة الألومنيوم، أن CBAM سيؤدي في النهاية إلى زيادة تكاليف الألومنيوم الأوروبي. ويقول إن التصميم الحالي لـ CBAM قد يضعف القدرة التنافسية للألومنيوم الأوروبي دون تحقيق تخفيضات كبيرة في الانبعاثات.
ينتقد خبراء آخرون النظام لتعقيده والصعوبات التي تنطوي عليها قياس انبعاثات الكربون المضمنة بدقة. ويوضح خيمي أمويدو، المدير التنفيذي والمؤسس المشارك لمعهد ESG، أن المستوردين الأوروبيين للصلب والإسمنت والألومنيوم أو الأسمدة من المحتمل أن يشهدوا زيادات كبيرة في التكاليف، خاصةً في الحالات التي تكون فيها بيانات الانبعاثات غير مكتملة أو تعتمد على قيم افتراضية.
على الرغم من أن المصدرين غير ملزمين قانونًا بموجب قانون الاتحاد الأوروبي، إلا أن الآثار المترتبة عليهم كبيرة. فالقدرة على توفير معلومات موثوقة وقابلة للتحقق بشأن الانبعاثات أصبحت شرطًا تجاريًا أساسيًا، وإلا فإنهم يخاطرون بفقدان العملاء في الاتحاد الأوروبي.
صندوق لتعزيز القدرة التنافسية الأوروبية
اعترافًا بالتأثير المحتمل لـ CBAM على الصناعات الأوروبية، اقترح الاتحاد الأوروبي في 17 ديسمبر إنشاء صندوق مؤقت ممول من عائدات CBAM لمساعدة هذه الصناعات على التكيف مع المرحلة التنفيذية. من المتوقع أن يجمع هذا الصندوق حوالي 1.5 مليار يورو بحلول عام 2028.
يقول إد كولينز، المدير العام في InfluenceMap، وهو مركز أبحاث مستقل يدرس الضغوط التي تمارسها الشركات والمؤسسات الصناعية على السياسات المناخية، إن هذا الصندوق جاء نتيجة “ضغط مكثف من الجهات الفاعلة الصناعية القائمة” التي طالبت باسترداد تكاليف الكربون للبضائع المصدرة. ويرى أن الصندوق يمنح الشركات بعض الراحة من خلال تغطية جزء من تكاليف الكربون الصادرة عنها.
من المقرر أن يتم تخصيص عائدات CBAM لمشاريع تهدف إلى تسريع التحول نحو اقتصاد منخفض الكربون في أوروبا. ومع ذلك، يراقب المراقبون عن كثب ضمان تخصيص هذه الأموال بشكل فعال لتحقيق الأهداف المناخية، وتجنب تحويلها إلى دعم للصناعات الملوثة.
في الختام، تمثل آلية تعديل الكربون الحدودية خطوة جريئة من قبل الاتحاد الأوروبي لمعالجة تغير المناخ وتعزيز التجارة المستدامة. ومع ذلك، فإن نجاحها يعتمد على حل النزاعات التجارية القائمة، وضمان الشفافية والدقة في قياس الانبعاثات، واستخدام عائدات CBAM بشكل استراتيجي لتعزيز التحول الأخضر. يجب مراقبة التطورات المستقبلية، بما في ذلك استجابة الدول الأخرى وتنفيذ قواعد CBAM النهائية، لتحديد التأثير الحقيقي لهذه السياسة.






