في تطور علمي هام، نجح فريق بحثي صيني في تطوير جلد إلكتروني عصبي الشكل، يمثل نقلة نوعية في مجال الروبوتات. هذه التقنية الجديدة لا توفر مجرد غلاف خارجي للروبوتات، بل تمنحها القدرة على الإدراك الحسي الذاتي والاستجابة للمؤثرات الخارجية بشكل مشابه للطريقة التي يعمل بها الجهاز العصبي البشري، مما يفتح آفاقًا واسعة لتطبيقاتها في مختلف المجالات.

أعلن الباحثون عن هذا الإنجاز في بداية شهر يناير 2026، مؤكدين أن الجلد الإلكتروني الجديد يمثل خطوة حاسمة نحو تطوير روبوتات أكثر أمانًا وفعالية في التفاعل مع البيئة المحيطة. وقد تم تطوير هذه التقنية في معهد أبحاث التكنولوجيا المتقدمة في بكين، بالتعاون مع عدد من الجامعات الصينية المرموقة.

روبوتات بلمسة إنسانية: ثورة في تقنية الجلد الإلكتروني

يكمن جوهر هذا الابتكار في قدرة الجلد الإلكتروني على محاكاة “منعكس الانسحاب” البشري. فبدلاً من الاعتماد على معالجة مركزية بطيئة، يستطيع الجلد الإلكتروني رصد المخاطر المادية مثل الحرارة الشديدة أو الأجسام الحادة والاستجابة لها بشكل فوري عن طريق سحب الطرف الروبوتي المعرض للخطر. هذه الاستجابة السريعة تحاكي بشكل دقيق آلية الدفاع الطبيعية التي يمتلكها الإنسان.

تقليديًا، كانت الروبوتات تعتمد على إرسال البيانات الحسية إلى وحدة معالجة مركزية لتحليلها واتخاذ القرارات. هذه العملية تتسبب في “تأخير المعالجة”، مما يحد من قدرة الروبوت على الاستجابة السريعة للمواقف الطارئة. الجلد الإلكتروني الجديد يتغلب على هذه المشكلة من خلال تبني هيكلية تحاكي النخاع الشوكي البشري، حيث تتم معالجة الإشارات الحسية محليًا وتحويلها إلى نبضات كهربائية فورية.

تطبيقات واعدة في الرعاية الصحية والعمل المشترك

تتجاوز أهمية هذه التقنية حدود المختبرات العلمية لتشمل تطبيقات عملية واسعة النطاق. في مجال الرعاية الصحية، على سبيل المثال، يمكن للروبوتات المزودة بهذا الجلد الإلكتروني التعامل مع المرضى بلطف وحساسية، مما يقلل من خطر الإصابات ويحسن من جودة الرعاية المقدمة. هذا يمثل تقدمًا كبيرًا في مجال الذكاء الاصطناعي والروبوتات الطبية.

بالإضافة إلى ذلك، يمكن استخدام هذه التقنية في تطوير روبوتات قادرة على العمل بأمان جنبًا إلى جنب مع البشر في بيئات العمل المختلفة. القدرة على الاستشعار الدقيق والتفاعل اللطيف تجعل هذه الروبوتات شريكًا مثاليًا في المهام التي تتطلب تعاونًا وثيقًا بين الإنسان والآلة. وتشمل التطبيقات المحتملة أيضًا مجال الصناعة، حيث يمكن للروبوتات المزودة بالجلد الإلكتروني التعامل مع المواد الحساسة بدقة وعناية.

ويشير الخبراء إلى أن هذا الابتكار يمثل خطوة مهمة نحو تحقيق “الوعي الجسدي” في الروبوتات، مما يجعلها أكثر قدرة على فهم العالم من حولها والتفاعل معه بشكل طبيعي. هذا الوعي الجسدي يعزز من قدرة الروبوت على التكيف مع الظروف المتغيرة واتخاذ القرارات المناسبة بناءً على المعلومات الحسية التي يتلقاها.

وتعتبر هذه التقنية بمثابة نقطة تحول في تطوير الروبوتات اللينة، حيث يمكن دمج الجلد الإلكتروني بسهولة في هياكل الروبوتات المرنة، مما يزيد من قدرتها على الحركة والتفاعل مع البيئة المحيطة. الروبوتات اللينة تتميز بقدرتها على التكيف مع الأشكال المختلفة والتعامل مع الأجسام الهشة دون التسبب في أي ضرر.

ومع ذلك، لا تزال هناك بعض التحديات التي تواجه تطوير هذه التقنية. أحد هذه التحديات هو زيادة متانة الجلد الإلكتروني وقدرته على تحمل الظروف البيئية القاسية. بالإضافة إلى ذلك، هناك حاجة إلى تطوير خوارزميات أكثر تطوراً لمعالجة الإشارات الحسية وتحسين دقة الاستجابة.

من المتوقع أن يشهد هذا المجال مزيدًا من التطورات في السنوات القادمة، مع التركيز على تحسين أداء الجلد الإلكتروني وتوسيع نطاق تطبيقاته. تخطط الفرق البحثية الصينية لإجراء المزيد من الاختبارات والتجارب على هذه التقنية، بهدف إطلاق الجيل الأول من الروبوتات المزودة بالجلد الإلكتروني بحلول نهاية عام 2027. وسيكون من المهم متابعة التقدم المحرز في هذا المجال، وتقييم تأثيره على مختلف القطاعات الاقتصادية والاجتماعية.

شاركها.