تصاعدت التوترات في ريف حلب الشرقي بين الجيش السوري وقوات سوريا الديمقراطية (قسد)، مما أدى إلى إعلان الجيش للمنطقة منطقة عسكرية مغلقة ودعوة الفصائل المسلحة للانسحاب شرق الفرات. يأتي هذا التطور في سياق تبادل الاتهامات بين الطرفين حول الأحداث الأخيرة في حلب، ويثير تساؤلات حول مستقبل الاتفاقات القائمة ومسار الحل السياسي في سوريا. الوضع في حلب يشكل نقطة اشتعال جديدة في الصراع الدائر.
أعلن الجيش السوري عن المنطقة العسكرية المغلقة، والتي تشمل بلدات مسكنة وبابيري وقواس ودير حافر، وذلك في خريطة تحدد المناطق المطلوبة الانسحاب منها. كما دعا الجيش المدنيين إلى الابتعاد عن مواقع قسد في تلك المنطقة، مؤكداً على حق الدولة في بسط سيطرتها على كامل الأراضي السورية. هذه الخطوة جاءت بعد اتهامات متبادلة بخرق التهدئة وزيادة التواجد العسكري.
تصعيد التوترات في حلب وتداعياتها على الوضع في حلب
اتهمت الحكومة السورية قوات قسد بإرسال تعزيزات عسكرية إلى دير حافر، الواقعة على بعد أقل من 50 كيلومترًا شرق حلب، ردًا على ذلك أرسلت السلطات السورية تعزيزات مماثلة إلى المنطقة. قسد من جانبها، نفت إرسال أي تعزيزات، وأفادت بأن القوات الحكومية بدأت في قصف بلدة دير حافر بقذائف المدفعية. هذا التصعيد يهدد بتقويض الاستقرار الهش في المنطقة.
يرى الكاتب والباحث السياسي حسن الدغيم أن قرار الجيش السوري يمثل ممارسة للحق السيادي للدولة في بسط سيطرتها على أراضيها. وأشار إلى أن هذا القرار جاء بعد فترة من الصبر وانتهاء المهلة المحددة لتطبيق اتفاق 10 مارس/آذار بين الحكومة وقسد. الدغيم اتهم قسد بالمماطلة وعدم الالتزام بتطبيق الاتفاق بشكل فعلي.
وأضاف الدغيم أن قسد اتفقت مع الحكومة على محاربة بقايا تنظيم داعش والجماعات المسلحة الأخرى، لكنها بدلاً من ذلك لجأت إليها وجمعت قواتها في مسكنة ودير حافر. هذا التحرك، بحسب الدغيم، يشير إلى عدم جدية قسد في تطبيق الاتفاق والبحث عن حلول سياسية. الوضع الأمني يتدهور بشكل ملحوظ.
ردود فعل على التطورات الأخيرة
في المقابل، يرى المحلل السياسي خالد جبر أن قوات سوريا الديمقراطية تلتزم بضبط النفس وتدعو إلى الحوار الوطني، لكنه أشار إلى أن الحكومة السورية هي من يقوم باستفزاز قسد على محاور التماس. وأوضح جبر أن التوجه نحو مناطق قسد ليس مهمة سهلة لقوات الحكومة، ويتطلب جهودًا كبيرة.
وبخصوص اتفاق 10 مارس/آذار، أكد جبر أن الحكومة السورية لم تنفذ التزاماتها بشكل كامل، وأن هناك صعوبات في تطبيق الاتفاق على الأرض. هذا التأخير في التنفيذ، بحسب جبر، يساهم في زيادة التوترات وتأجيج الصراع. العملية السياسية تواجه تحديات كبيرة.
الموقف الأمريكي وتأثيره على الوضع في حلب
عبر المسؤول السابق في الخارجية الأمريكية توماس واريك عن قلق واشنطن من التصعيد العسكري بين الطرفين السوريين، مؤكداً على دعم الولايات المتحدة لحل سياسي شامل في سوريا. وشدد واريك على رغبة واشنطن في دمج قوات سوريا الديمقراطية في الجيش السوري، كجزء من عملية إعادة الإعمار والاستقرار.
وأشار واريك إلى أن الولايات المتحدة قدمت دعمًا كبيرًا لقسد خلال الحملة ضد تنظيم الدولة الإسلامية، لكنها تشعر بالإحباط لتركيز قسد على المواجهة بدلًا من تطبيق اتفاق 10 مارس/آذار. هذا التحول في الأولويات، بحسب واريك، يثير تساؤلات حول مستقبل العلاقة بين واشنطن وقسد. التحالف الدولي قد يعيد النظر في استراتيجيته.
ووفقًا لوكالة الأنباء السورية (سانا)، فقد أسفرت الاشتباكات الأخيرة بين قوات الجيش السوري وقوات سوريا الديمقراطية في حيي الأشرفية والشيخ مقصود في مدينة حلب عن مقتل 24 شخصًا وإصابة 129 آخرين، بالإضافة إلى نزوح حوالي 165 ألف شخص. هذه الأرقام تشير إلى حجم المعاناة الإنسانية الناجمة عن التصعيد العسكري.
من المتوقع أن تشهد الأيام القادمة مزيدًا من التوتر في المنطقة، مع استمرار تبادل الاتهامات والتحركات العسكرية. يبقى مستقبل اتفاق 10 مارس/آذار غير واضح، ويتوقف على مدى استعداد الطرفين للالتزام بتنفيذه. كما أن الموقف الأمريكي سيكون حاسمًا في تحديد مسار الأحداث، وما إذا كانت واشنطن ستستمر في دعم قسد أم ستعيد النظر في استراتيجيتها. يجب مراقبة تطورات الوضع في حلب عن كثب.






