خلال ساعات تنطلق قمة منظمة شنغهاي للتعاون في مدينة تيانجين بحضور الرئيس الصيني شي جين بينغ، ونظيره الروسي فلاديمير بوتين وثالثهما رئيس الوزراء الهندي ناريندا مودي، وبحضور عدد كبير من زعماء العالم مثل التركي رجب طيب أردوغان، والإيراني مسعود پزشکیان، حيث تأتي القمة المترقبة بشدة في لحظات حاسمة يُخيِّم عليها مزيج من الأزمات الاقتصادية والتوترات الجيوسياسية التي تعيد رسم ملامح النظام العالمي.
فالحرب التجارية التي أشعلها الرئيس الأميركي دونالد ترمب عبر رسومه الجمركية وهدد بها الدول الثلاثة، الصين والهند وروسيا، وما تسببه من اضطراب في سلاسل الإمداد والتجارة العالمية، إلى جانب التقارب الحذر بين بكين ونيودلهي والتنسيق المتنامي بين موسكو وبكين، تجعل من هذا الاجتماع أكثر من مجرد حدث إقليمي؛ وإنما منصة محتملة لتبلور توازنات بديلة عن الهيمنة الغربية.
كما يعد ذلك أول اجتماع للقادة الثلاثة منذ سنوات، ما يمنح القمة بعداً رمزياً وسياسياً يتجاوز حدود المنظمة. والسؤال الأهم الآن هو: ماذا يحمل كل قائد من الثلاثة في جعبته خلال هذه القمة؟
رمزية اللقاء الثلاثي
تشير التوقعات إلى أن هذا اللقاء سيكون محاولة لإعادة تفعيل آلية الحوار الثلاثي وتقديمها كإطار لتنسيق السياسات في مواجهة الضغوط الغربية المتزايدة، وتكمن رمزية الاجتماع في أنه يجمع ثلاث قوى كبرى تمتلك أوراقاً متكاملة: الهند بقدراتها الرقمية، الصين بثقلها الصناعي، وروسيا كمصدر رئيسي للطاقة. وبهذا يصبح اللقاء بمثابة رسالة سياسية بأن آسيا تسعى لصياغة توازنات بديلة في النظام الدولي، بحسب تقارير “رويترز” و”فاينانشال تايمز”.
اقرأ المزيد: الصين تستعد لاستضافة بوتين ومودي وأردوغان.. وتتهم أميركا بتهديد السلام
القمة تنعقد أيضاً في سياق عالمي بالغ التعقيد، يتصدره التوتر التجاري بين الولايات المتحدة والهند، حيث فرضت واشنطن رسوماً جمركية واسعة النطاق على الصادرات الهندية، ما دفع نيودلهي إلى البحث عن بدائل استراتيجية لتقليل اعتمادها على السوق الأميركية. ويفسر هذا الأمر الانفتاح الحذر على الصين مؤخراً، رغم الخلافات الحدودية بينهما، حيث بدأت بكين بتقديم تسهيلات تجارية تشمل المعادن الحيوية والأسمدة.
وفي تطور لافت، بدأت الصين والهند مؤخراً مناقشات لاستئناف التجارة على الحدود بعد انقطاع دام أكثر من خمس سنوات، وهي خطوة تعكس براغماتية متزايدة تمهد لتقارب أكبر خلال القمة.
إلى جانب ذلك، يبرز التعاون الاقتصادي بين الصين وروسيا كركيزة أساسية داخل منظمة شنغهاي للتعاون. فمع تزايد القيود الغربية على موسكو، أصبحت بكين شريكها الاقتصادي الرئيسي، سواء في قطاع الطاقة أو في الصناعات التحويلية والتكنولوجيا. ورغم الصعوبات المتعلقة بالتحويلات المالية والعقوبات، وجد الطرفان حلولاً عملية مثل استخدام أنظمة مقايضة مباشرة بين الشركات لتجاوز صعوبات التسوية النقدية، بحسب “رويترز”.
وبين لقاء القادة الثلاثة، والتقارب الحذر بين الصين والهند، والشراكة المتنامية بين بكين وموسكو، تسعى الصين من خلال استضافة قمة تيانجين إلى إبراز المنظمة كمنصة قادرة على تقديم بديل متعدد الأطراف في مواجهة الهيمنة الغربية، في وقت يزداد فيه الطلب على شراكات إقليمية أكثر استقلالية.
ملفات على طاولة القمة
من المقرر أن تتناول قمة منظمة شنغهاي للتعاون ملفات محورية أبرزها إطلاق “إعلان تيانجين”، وهو خريطة طريق لعقد كامل من التعاون تشمل تعزيز التكامل الاقتصادي، وتطوير الاقتصاد الرقمي، والتوسع في مشاريع الطاقة الخضراء، بحسب “شينخوا” (Xinhua) و”رويترز” (Reuters).
اقرأ أيضاً: تقارب متزايد بين الصين والهند بعد الرسوم الأميركية
أعلن الوزير الصيني ليو بين أن الإعلان بات قيد الموافقة بين القادة، ما يمنح القمة زخماً إضافياً. كما يُنتظر أن تبحث القمة مقترح إنشاء بنك تنمية لتمويل مشاريع التجارة والبنية التحتية والابتكار، وفق “بلومبرغ”.
لكن القمة لا تقتصر على الجانب الاقتصادي، إذ توصف بأنها الأكبر في تاريخ المنظمة مع حضور أكثر من 20 زعيماً، وعلى الصعيد السياسي، ستتناول القمة ملفات حساسة أبرزها الحرب الروسية–الأوكرانية، ومستقبل الأمن في آسيا الوسطى، والتصعيد الإيراني–الإسرائيلي، إضافة إلى النزاعات الحدودية بين الهند وباكستان. غير أن هذه الملفات تُناقش في لحظة اختبار صعبة، حيث يشارك أربعة من الأعضاء في نزاعات أو توترات مباشرة، ما يثير تساؤلات حول قدرة المنظمة على الحفاظ على تماسكها وتقديم حلول مشتركة، بحسب “ذا دبلومات” (The Diplomat).
ونفصل ما تحمله كل دولة من الثلاثة خلال القمة المرتقبة في جعبتها من أهداف خاصة، كالآتي:
قيادة صينية
تُعوِّل الصين على قمة منظمة شنغهاي للتعاون في تيانجين لتكون منصة لتكريس دورها القيادي في صياغة بدائل إقليمية للنظام الدولي القائم. فبحسب “ذا دبلوماتيك إنسايت” (The Diplomatic Insight)، وهي منصة إعلامية دولية متخصصة في الشؤون الدبلوماسية والعلاقات الدولية، تسعى بكين إلى استخدام القمة لإطلاق “إعلان تيانجين” الذي يضع خريطة طريق للتعاون على مدى عقد كامل، تشمل مجالات مكافحة الإرهاب، الاقتصاد الرقمي، والطاقة المستدامة، بما يعكس انتقال المنظمة من إطار أمني ضيق إلى مظلة أوسع للتكامل الاقتصادي والمالي.
وفي هذا السياق، تتطلع بكين إلى دفع النقاش حول إنشاء بنك تنمية تابع للمنظمة وتوسيع نطاق التسويات التجارية بالعملات المحلية، بما في ذلك اليوان والروبل والروبية، كخطوة عملية لتقليص الاعتماد على الدولار والنظام المالي الغربي. ويشير التقرير إلى أن الصين ترى في هذه الخطوات وسيلة لإبراز المنظمة ككتلة اقتصادية موازية، وتعزيز الاستقرار الإقليمي في لحظة تتزايد فيها التوترات الجيوسياسية والنزاعات المسلحة بين بعض أعضائها.
مناورة هندية
تدخل الهند قمة منظمة شنغهاي للتعاون في تيانجين وهي محاصَرة بتداعيات الأزمة التجارية مع الولايات المتحدة، بعد فرض إدارة ترمب رسوماً جمركية واسعة على صادراتها. هذا التصعيد دفع نيودلهي إلى إعادة النظر في خياراتها الاستراتيجية، والسعي نحو توسيع انفتاحها على شركاء آسيويين جدد.
وبحسب “رويترز”، فإن الحكومة الهندية تعتبر القمة فرصة لإبراز قدرتها على المناورة بين الغرب والشرق، من خلال تعزيز الحوار مع الصين وروسيا، وتأكيد موقعها كقوة آسيوية لا يمكن تجاوزها في ترتيبات الإقليم.
إدارة ترمب تؤكد مضاعفة الرسوم الجمركية على الهند في 27 أغسطس… التفاصيل هنا
وتنظر الهند إلى هذه القمة كبوابة لتأمين إمدادات طاقة بأسعار ميسّرة، واستكشاف آليات للتجارة بالعملات المحلية لتخفيف الضغط على عملتها، إلى جانب التأكيد على دورها كفاعل اقتصادي رئيسي في أي ترتيبات أوراسية جديدة، بحسب “فاينانشال تايمز”.
فرصة روسية
أما روسيا، فتبحث من خلال القمة عن فرصة لترسيخ حضورها في مواجهة العزلة الغربية والعقوبات المفروضة عليها منذ اندلاع الحرب في أوكرانيا. فبحسب “رويترز”، تراهن موسكو على أن القمة ستكون منصة لتعميق تعاونها مع الصين والهند، سواء عبر استمرار تدفق صادراتها النفطية إلى نيودلهي أو عبر توسيع التبادل التجاري مع بكين في مجالات التكنولوجيا والصناعات التحويلية. هذا التنسيق الثلاثي يمنح الكرملين فرصة لتأكيد أن لديه بدائل عملية عن الأسواق الغربية، وأنه لا يزال لاعباً مؤثراً في الجغرافيا السياسية العالمية.
كما ترى موسكو في القمة فرصة لإعادة تفعيل آلية الحوار الثلاثي (RIC) مع بكين ونيودلهي، كجزء من مشروعها الأوسع لبناء “شراكة أوراسيا كبرى”. وبحسب “ذا دبلومات”، متخصصة في شؤون آسيا والمحيط الهادئ، فإن روسيا تنظر إلى هذا الإطار كوسيلة لتقليل الاعتماد على المؤسسات الغربية وتعزيز التعاون المالي والتجاري بالعملات المحلية، بما في ذلك اليوان والروبل والروبية. وعلى الرغم من الضغوط الاقتصادية، تسعى موسكو إلى استخدام هذه القمة لإظهار أنها لا تزال تملك أوراقاً تفاوضية قوية، وأنها قادرة على تحويل منظمة شنغهاي إلى منصة بديلة لترتيب موازين القوى الإقليمية.
قد يهمك: ترمب يهدد بفرض عقوبات على روسيا إذا لم ينته الصراع في أوكرانيا
وتجدر الإشارة هنا إلى أن القمة تأتي بعد فترة قصيرة من لقاء بوتين مع ترمب في ألاسكا لمناقشة ملف إنهاء الحرب في أوكرانيا، إلا أن اللقاء بين القطبين الأميركي والروسي لم يسفر عن حلول ملموسة للأزمة حتى الآن، ومن المتوقع عقد لقاء مكمل بينهما قريباً.
أهداف باقي الدول الأعضاء
إلى جانب الصين والهند وروسيا، تسعى بقية الدول الأعضاء إلى استثمار القمة في قضايا أكثر ارتباطاً بالاستقرار والتنمية. فدول آسيا الوسطى مثل قازاخستان وأوزبكستان وقيرغيزستان تركز على تعزيز أمن الحدود وتطوير البنية التحتية الإقليمية وربط شبكات النقل والطاقة، وهو ما أكده الرئيس القازاخي قاسم جومارت توكايف عند طرحه خططاً لتسريع تحديث ممرات التجارة واللوجستيات، بحسب “رويترز”. أما إيران، فتدخل القمة برغبة واضحة في استخدام المنظمة كمنصة لتخفيف أثر العقوبات الغربية وتوسيع التعاون المالي والتجاري مع بكين وموسكو، فيما تسعى باكستان إلى استغلال موقعها كممر رئيسي لمبادرة “الحزام والطريق” لتعزيز الاستثمارات في الطاقة والبنية التحتية، وفق “ذا دبلوماتيك إنسايت”
محاور التلاقي بين شنغهاي و”بريكس”
تتصدر الطاقة والتجارة بالعملات المحلية أجندة قمة تيانجين، إذ تسعى دول منظمة شنغهاي للتعاون إلى تقليل الاعتماد على الدولار عبر تسويات بالروبل والروبية واليوان، خاصة في عقود النفط والغاز بين روسيا والصين والهند، وفق “رويترز”. هذا التوجه يهدف إلى تأمين إمدادات الطاقة وبناء شبكة اقتصادية أكثر استقلالية عن النظام المالي الغربي.
وفي موازاة ذلك، يبرز تقاطع المنظمة مع مجموعة “بريكس” (BRICS)، حيث تتحرك عبر بنك التنمية الجديد لتمويل مشاريع البنية التحتية والطاقة في الدول الصاعدة. وبحسب “ذا دبلوماتيك إنسايت”، يمنح هذا التلاقي الأعضاء منصة مزدوجة: تعزيز التكامل الإقليمي في مجالات الطاقة والتجارة، مع توفير تمويل بديل بعيداً عن المؤسسات الغربية.
هل تصعد المنظمة ككتلة اقتصادية منافسة؟
منذ تأسيسها عام 2001، ركّزت منظمة شنغهاي للتعاون على البعد الأمني، عبر مواجهة ما عُرف بـ”التهديدات الثلاثة” المتمثلة في الإرهاب والانفصالية والتطرف، وتعزيز أمن الحدود وبناء الثقة العسكرية بين الصين وروسيا ودول آسيا الوسطى. وفي 2004 أنشأت المنظمة الهيكل الإقليمي لمكافحة الإرهاب (RATS) في طشقند، ما رسّخ طابعها الأمني في تلك المرحلة. ومع مرور الوقت، توسع نطاقها ليشمل ملفات اقتصادية وتجارية، لكن جوهرها الأمني ظل حاضراً.
في السنوات الأخيرة، برزت مبادرات اقتصادية أكثر وضوحاً داخل المنظمة، لكن هذا الزخم الاقتصادي يصطدم بعوائق هيكلية تحد من قدرة المنظمة على التحول إلى كتلة اقتصادية متكاملة، فمثلاً أشار “مركز الدراسات الألماني” (SWP Berlin) في تقرير عام 2024 إلى أن توسع المنظمة في المجال الاقتصادي يصطدم بعقبات جوهرية، أبرزها التنافس الصيني–الهندي والخشية الروسية من تحوّل بكين إلى قوة مهيمنة مالياً داخل الكتلة.
وفي الاتجاه نفسه، أوضح “معهد هدسون” (Hudson Institute) في تحليل للباحث ريتشارد ويتز أن الطموحات الاقتصادية للمنظمة ما تزال محدودة بسبب تضارب مصالح أعضائها الكبار.. لكن من يعلم ربما تجد في الأمور أمور قريباً؟