تثير الادعاءات المتزايدة بأن الذكاء الاصطناعي هو الحل السحري لمواجهة تغير المناخ تساؤلات جدية حول مدى صحة هذه المزاعم. وتشير دراسة حديثة صادرة هذا الأسبوع إلى أن جزءاً صغيراً فقط من هذه الادعاءات مدعوم بأبحاث أكاديمية قوية، مما يلقي بظلال من الشك على الوعود البراقة التي تقدمها شركات التكنولوجيا والجمعيات المهتمة بالطاقة حول مستقبل الذكاء الاصطناعي ودوره في إنقاذ الكوكب.
الذكاء الاصطناعي وتغير المناخ: تدقيق في الادعاءات
كشف تقرير جديد، تم إطلاقه بدعم من عدة منظمات بيئية، عن فحص معمق لأبرز الادعاءات التي تتعلق بكيفية مساهمة الذكاء الاصطناعي في معالجة قضايا المناخ. ويهدف هذا التقرير إلى قياس مدى دقة هذه الادعاءات، التي غالباً ما تصدر عن شركات تكنولوجيا كبرى وجمعيات صناعية، وتؤكد على أن الذكاء الاصطناعي سيقدم “منفعة مناخية صافية”. ومع ذلك، وجدت التحليلات التي أجراها معدو التقرير أن ربع هذه الادعاءات فقط مدعوم بأبحاث أكاديمية، بينما لم يقدم أكثر من ثلثها أي دليل علني لدعمها.
صرح جون كومي، باحث في مجال الطاقة والتكنولوجيا، ولم يشارك في التقرير، بأن “الناس يطلقون تأكيدات حول أنواع التأثيرات المجتمعية للذكاء الاصطناعي وتأثيراته على نظام الطاقة؛ وغالباً ما تفتقر هذه التأكيدات إلى الدقة.” وأضاف أنه “من المهم عدم أخذ الادعاءات ذاتية المصلحة على محمل الجد. قد تكون بعض هذه الادعاءات صحيحة، ولكن يجب توخي الحذر الشديد. أعتقد أن هناك الكثير من الأشخاص الذين يدلون بهذه التصريحات دون دعم كافٍ.”
التمييز بين أنواع الذكاء الاصطناعي: ضرورة حتمية
يقوم التقرير أيضاً باستكشاف جانب آخر بالغ الأهمية، وهو نوع الذكاء الاصطناعي الذي تشير إليه شركات التكنولوجيا تحديداً عندما تتحدث عن دور الذكاء الاصطناعي في إنقاذ الكوكب. هناك أنواع عديدة من الذكاء الاصطناعي أقل استهلاكاً للطاقة مقارنة بالنماذج التوليدية الموجهة للمستهلكين، والتي استحوذت على اهتمام وسائل الإعلام في السنوات الأخيرة. هذه النماذج تتطلب كميات هائلة من القدرة الحاسوبية والطاقة لتدريبها وتشغيلها.
على سبيل المثال، كان التعلم الآلي (Machine Learning) عنصراً أساسياً في العديد من التخصصات العلمية لعقود. ومع ذلك، فإن الذكاء الاصطناعي التوليدي واسع النطاق، وخاصة الأدوات مثل ChatGPT و Claude و Google Gemini، هو محور التركيز العام للكثير من البنية التحتية التي تبنيها شركات التكنولوجيا. ووجدت تحليلات التقرير أن ما يقرب من جميع الادعاءات المفحوصة خلطت بين أشكال الذكاء الاصطناعي التقليدية والأقل استهلاكاً للطاقة، وبين الذكاء الاصطناعي التوليدي الموجه للمستهلكين الذي يقود جزءاً كبيراً من بناء مراكز البيانات.
في المقابل، يبدي ديفيد رولنيك، أستاذ مساعد في علوم الكمبيوتر بجامعة ماكجيل ورئيس منظمة “Climate Change AI”، قلقاً أقل بشأن مصدر الأرقام التي تحصل عليها شركات التكنولوجيا الكبرى فيما يتعلق بتأثير الذكاء الاصطناعي على المناخ، نظراً للصعوبة التي يواجهها في إثبات التأثير كمياً في هذا المجال. ومع ذلك، بالنسبة لرولنيك، فإن التمييز بين أنواع الذكاء الاصطناعي التي تروج لها شركات التكنولوجيا باعتبارها ضرورية هو جزء أساسي من هذه المحادثة.
“مشكلتي مع الادعاءات التي تدلي بها شركات التكنولوجيا الكبرى حول الذكاء الاصطناعي وتغير المناخ ليست أنها غير مُقاسة بالكامل، بل إنها تعتمد على ذكاء اصطناعي افتراضي غير موجود حالياً في بعض الحالات،” قال رولنيك. وأضاف: “أعتقد أن حجم التكهنات حول ما قد يحدث في المستقبل مع الذكاء الاصطناعي التوليدي أمر مبالغ فيه للغاية.”
يشير رولنيك إلى أن تقنيات التعلم العميق (Deep Learning) تُستخدم بالفعل في مجموعة متنوعة من القطاعات حول العالم، بدءاً من تقنيات زيادة كفاءة الشبكة الكهربائية، وصولاً إلى النماذج التي يمكن أن تساعد في اكتشاف أنواع جديدة من الكائنات الحية، وكل ذلك يساهم في خفض الانبعاثات ومكافحة تغير المناخ حالياً. “هذا يختلف، مع ذلك، عن القول ‘في وقت ما في المستقبل، قد يكون هذا مفيداً’. علاوة على ذلك، هناك عدم تطابق بين التكنولوجيا التي تعمل عليها شركات التكنولوجيا الكبرى والتكنولوجيات التي هي في الواقع القوة الدافعة للفوائد التي تدعي أنها تروج لها.”
قد تروج بعض الشركات لأمثلة على خوارزميات تساعد، على سبيل المثال، في الكشف بشكل أفضل عن الفيضانات، مستخدمة إياها كأمثلة على “الذكاء الاصطناعي من أجل الخير” للترويج لنماذجها اللغوية الكبيرة، على الرغم من أن الخوارزميات التي تساعد في التنبؤ بالفيضانات ليست من نفس نوع الذكاء الاصطناعي المستخدم في روبوتات الدردشة الموجهة للمستهلكين.
الخاتمة: نحو شفافية أكبر
في ظل هذه التناقضات، يبدو أن الخطوة التالية المنطقية هي مطالبة الشركات بتقديم أدلة أكثر شفافية وقوة لدعم ادعاءاتها حول دور الذكاء الاصطناعي في مواجهة تغير المناخ. سيتطلب تحقيق ذلك جهوداً مستمرة من الباحثين والمنظمات البيئية والجهات الرقابية لضمان أن التقدم في مجال الذكاء الاصطناعي يسير جنباً إلى جنب مع التقدم الحقيقي في معالجة أزمة المناخ، بدلاً من كونه مجرد خطاب دعائي.




