أكد البيت الأبيض أن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب يدرس إمكانية الاستحواذ على جزيرة جرينلاند، في خطوة أثارت جدلاً واسعاً وأعادت الأهمية الجيوسياسية للمنطقة القطبية الشمالية إلى الواجهة. يأتي هذا الاهتمام في ظل تزايد التنافس الدولي على الموارد والنفوذ في المنطقة، مع تزايد أهمية الممرات الملاحية الجديدة التي تظهر نتيجة لتغير المناخ.

أعلنت الإدارة الأمريكية أن هذه المسألة تمثل “أولوية أمن قومي”، وأن جميع الخيارات، بما في ذلك الاعتماد على القوة العسكرية، مطروحة على الطاولة لتحقيق هذا الهدف الاستراتيجي. ومع ذلك، قوبلت هذه الخطوة برفض قاطع من الدنمارك وجرينلاند، مما يضع مستقبل هذه المحاولة في مهب الريح.

الأهمية الاستراتيجية لجزيرة جرينلاند

تكمن الأهمية الاستراتيجية لـ جرينلاند في موقعها الجغرافي الفريد الذي يربط بين المحيطين الأطلسي والقطبي الشمالي. هذا الموقع يجعلها نقطة ارتكاز للسيطرة على الممرات الملاحية الشمالية التي تزداد أهميتها مع ذوبان الجليد، مما يقلل المسافات التجارية بين أوروبا وآسيا.

خلفية تاريخية للاهتمام الأمريكي

لم تكن فكرة شراء جرينلاند حديثة العهد، بل تعود إلى عام 1946، عندما عرض الرئيس هاري ترومان على الدنمارك مبلغ 100 مليون دولار مقابل الجزيرة. ورغم رفض الدنمارك للعرض، حافظت الولايات المتحدة على وجود عسكري قوي في جرينلاند، وعلى رأسها قاعدة ثول الجوية، التي تلعب دوراً حيوياً في أنظمة الرادار والإنذار المبكر.

بالإضافة إلى ذلك، يُعتقد أن جرينلاند تحتوي على احتياطيات هائلة من الموارد الطبيعية، بما في ذلك النفط والغاز والمعادن النادرة مثل النيوديميوم والبراسيوديميوم، وهي ضرورية للصناعات التكنولوجية المتقدمة. ومع تسارع التغير المناخي، أصبحت هذه الموارد أكثر سهولة في الوصول والاستغلال.

التنافس الدولي في القطب الشمالي

يأتي الاهتمام الأمريكي المتجدد بـ جرينلاند في سياق التنافس الدولي المتزايد في منطقة القطب الشمالي. تعمل روسيا على تعزيز وجودها العسكري على طول ساحلها الشمالي، بينما أعلنت الصين نفسها “دولة شبه قطبية” وتسعى لتوسيع نفوذها من خلال مبادرة الحزام والطريق.

من هذا المنطلق، ترى واشنطن أن تأمين وجود دائم ومسيطر في جرينلاند هو وسيلة لردع الخصوم وضمان مصالحها في المنطقة. وتعتبر المنطقة ذات أهمية متزايدة للأمن القومي الأمريكي، خاصة مع تزايد القدرات العسكرية الروسية في المنطقة.

ردود الفعل الإقليمية والدولية

قوبلت فكرة الاستحواذ على جرينلاند برفض قاطع من الدنمارك، حيث وصفت رئيسة الوزراء الدنماركية، ميتي فريدريكسن، الفكرة بأنها “مناقشة سخيفة”. وأكدت أن “جرينلاند ليست للبيع”. هذا الرفض يعكس التحديات الدبلوماسية الكبيرة التي تواجه أي محاولة للاستحواذ على الجزيرة.

في المقابل، أعربت جرينلاند نفسها عن رفضها القاطع للفكرة. ويتمتع سكان الجزيرة بحق تقرير المصير، وهم غير راغبين في التخلي عن استقلالهم الذاتي. وتشير استطلاعات الرأي إلى أن غالبية سكان جرينلاند يعارضون أي محاولة للاستحواذ عليها من قبل أي دولة أخرى.

بالإضافة إلى ذلك، أثار هذا الاقتراح انتقادات دولية واسعة النطاق، حيث اعتبره العديد من المراقبين بمثابة تدخل سافر في شؤون دولة ذات سيادة. كما أثار مخاوف بشأن الاستقرار الإقليمي واحترام القانون الدولي. وتعتبر قضية القطب الشمالي من القضايا الحساسة التي تتطلب حواراً وتعاوناً دولياً.

في سياق متصل، يراقب المجتمع الدولي عن كثب التطورات المتعلقة بالوضع في جرينلاند. وتشير التقديرات إلى أن الإدارة الأمريكية قد تواصل الضغط الدبلوماسي على الدنمارك، ولكن من غير المرجح أن تتخلى الدنمارك عن سيادتها على الجزيرة. من المتوقع أن تشهد الأيام القادمة مزيداً من المشاورات الدبلوماسية والتقييمات الاستراتيجية من قبل جميع الأطراف المعنية.

من المرجح أن يركز البيت الأبيض في الفترة القادمة على تقييم البدائل المتاحة، بما في ذلك تعزيز التعاون العسكري والاقتصادي مع الدنمارك، أو البحث عن طرق أخرى لضمان مصالحها في المنطقة. يبقى مستقبل جزيرة جرينلاند غير مؤكد، ويتوقف على التطورات السياسية والدبلوماسية في الأشهر القادمة.

شاركها.