أصدرت الهيئة السعودية للبيانات والذكاء الاصطناعي (سدايا) مؤخراً وثيقة “القواعد العامة للاستخدام الثانوي للبيانات”، وهي خطوة رئيسية نحو تنظيم عملية مشاركة البيانات في المملكة العربية السعودية وتعزيز الاستفادة القصوى منها على نطاق وطني. تهدف هذه القواعد إلى توفير إطار قانوني واضح يضمن حماية خصوصية الأفراد مع تشجيع الابتكار والتحليل القائم على البيانات. ويأتي هذا الإعلان في سياق رؤية المملكة 2030 التي تولي اهتماماً كبيراً بتحويل البيانات إلى قيمة مضافة للاقتصاد والمجتمع.

الوثيقة، والتي نُشرت على موقع سدايا الرسمي، تحدد الضوابط والمعايير اللازمة لإجراء عمليات الاستخدام الثانوي للبيانات، أي استخدام البيانات لأغراض مختلفة عن الغرض الذي جُمعت من أجله في الأصل. وتشمل هذه العمليات تحليل البيانات، وإعادة استخدامها في الأبحاث، وتطوير منتجات وخدمات جديدة. وتستهدف هذه القواعد جميع الجهات الحكومية والخاصة التي تتعامل مع البيانات في المملكة.

أهمية تنظيم الاستخدام الثانوي للبيانات في السعودية

يشكل تنظيم الاستخدام الثانوي للبيانات في السعودية عنصراً حاسماً في تطوير منظومة البيانات الوطنية. فالبيانات، عندما تُستخدم بفعالية وبشكل مسؤول، يمكن أن تدفع عجلة التنمية الاقتصادية والاجتماعية من خلال تحسين عملية صنع القرار، وزيادة الكفاءة، وتطوير حلول مبتكرة للتحديات المختلفة. تعتبر البيانات ثروة وطنية يجب استغلالها بالشكل الأمثل.

الفوائد المحتملة للقطاعات المختلفة

يمكن للقطاع الصحي الاستفادة من تحليل البيانات لتحديد أنماط الأمراض، وتحسين الرعاية الصحية، وتطوير أدوية جديدة. في المقابل، يمكن لقطاع التعليم استخدام البيانات لفهم احتياجات الطلاب، وتحسين جودة التعليم، وتوفير فرص تعلم مخصصة. بالإضافة إلى ذلك، يُمكن لقطاع الأعمال استخدام البيانات لتحسين المنتجات والخدمات، واكتشاف أسواق جديدة، وزيادة الربحية.

إلا أن الاستخدام الثانوي للبيانات يثير أيضاً مخاوف تتعلق بخصوصية البيانات وأمنها. لذلك، تعمل سدايا على وضع آليات لحماية هذه البيانات من سوء الاستخدام، وضمان التزام الجهات المعنية بالقواعد واللوائح المنصوص عليها. ويعتبر بناء الثقة في استخدام البيانات أمراً أساسياً لتحقيق أقصى استفادة منها.

الالتزام بالمعايير الدولية

تأتي هذه القواعد متوافقة مع أفضل الممارسات والمعايير الدولية في مجال حماية البيانات والخصوصية، مثل اللائحة العامة لحماية البيانات (GDPR) في الاتحاد الأوروبي. يهدف هذا التوافق إلى تسهيل تبادل البيانات مع الدول الأخرى، وجذب الاستثمارات الأجنبية في مجال تحليل البيانات والذكاء الاصطناعي.

وتنص الوثيقة على عدة مبادئ أساسية يجب على الجهات التي تقوم بمعالجة البيانات الالتزام بها، مثل الحصول على موافقة صريحة من أصحاب البيانات قبل استخدامها لأغراض ثانوية، وضمان عدم الكشف عن هويات الأفراد، وتوفير آليات للتعامل مع طلبات الوصول إلى البيانات وتصحيحها وحذفها. بالإضافة إلى ذلك، تشدد القواعد على أهمية الأمن السيبراني لحماية البيانات من الاختراقات والتهديدات المختلفة.

وعلاوة على ذلك، تحدد الوثيقة أيضاً الأدوار والمسؤوليات المختلفة للجهات المعنية، بما في ذلك سدايا، والجهات الحكومية، والجهات الخاصة، وأصحاب البيانات. وتوضح الإجراءات اللازمة لتقديم طلبات الاستخدام الثانوي للبيانات، وتقييم هذه الطلبات، ومراقبة الامتثال للقواعد واللوائح.

في سياق مماثل، أعلنت سدايا عن إطلاق حزمة من البرامج التدريبية وورش العمل التوعوية التي تهدف إلى تثقيف الجهات المعنية حول هذه القواعد، ومساعدتها على تطبيقها بفعالية. يهدف هذا الجهد إلى ضمان فهم واسع النطاق للقواعد، وتسهيل عملية انتقال الجهات إلى نظام إدارة البيانات الجديد.

بينما تعتبر هذه القواعد خطوة إيجابية نحو تنظيم البيانات في السعودية، لا تزال هناك بعض التحديات التي يجب معالجتها. من بين هذه التحديات، الحاجة إلى تطوير البنية التحتية للبيانات، وزيادة الوعي بأهمية البيانات بين الجمهور، وتوفير الكفاءات المتخصصة في مجال تحليل البيانات والذكاء الاصطناعي. إطلاق هذه القواعد هو بداية رحلة طويلة لتطوير منظومة معلومات وطنية شاملة.

في المقابل، هناك فرص كبيرة يمكن استغلالها من خلال الاستخدام الثانوي للبيانات. فمن خلال التعاون بين القطاعات المختلفة، وتبادل البيانات بشكل آمن ومسؤول، يمكن تحقيق قفزات نوعية في مجالات مختلفة، مثل الصحة والتعليم والاقتصاد.

من المتوقع أن تقوم سدايا بتطوير وتحديث هذه القواعد بشكل دوري، لمواكبة التطورات التكنولوجية، والاستجابة للاحتياجات المتغيرة للمجتمع. كما يُتوقع أن يتم إصدار المزيد من اللوائح والقرارات التفصيلية التي توضح كيفية تطبيق هذه القواعد في القطاعات المختلفة. وفي الوقت الحالي، تترقب الجهات المعنية في السعودية المزيد من التوجيهات من سدايا حول كيفية الامتثال لهذه القواعد الجديدة، وكيفية الاستفادة منها في تطوير أعمالها وخدماتها.

وما يزال من المبكر تحديد الأثر الكامل لهذه القواعد على منظومة إدارة البيانات في السعودية. ولكن بشكل عام، من المتوقع أن تؤدي هذه القواعد إلى زيادة الثقة في استخدام البيانات، وتشجيع الابتكار، وتحسين عملية صنع القرار، ودفع عجلة التنمية في المملكة.

شاركها.