تتجه الأنظار حالياً نحو العاصمة واشنطن لمتابعة أحدث مستجدات الأوضاع في الولايات المتحدة بعد الإفراج المثير للجدل عن ملايين الصفحات والوثائق المتعلقة بقضية جيفري إبستين. لقد أصبح اسم الرئيس دوالد ترامب محوراً لهذه القضية مجدداً، خاصة بعد توقيعه على قانون الشفافية الذي أجبر وزارة العدل على كشف المستور. ومع إتاحة أكثر من 3 ملايين صفحة وآلاف الفيديوهات والصور للعلن، يثار تساؤل جوهري: هل ستنهي هذه الملفات أطول فضيحة أخلاقية وسياسية في تاريخ أمريكا الحديث، أم أنها مجرد بداية لفصول جديدة من الاستقطاب؟

قانون الشفافية: محاولة لفك رموز “الشبكة الغامضة”

جاء الإفراج عن هذه الوثائق نتيجة لجهد تشريعي مكثف أدى إلى صدور “قانون شفافية ملفات إبستين” رقم 4405. هذا القانون، الذي حظي بتوافق نادر بين الحزبين الديمقراطي والجمهوري، أجبر وزارة العدل على الكشف عن سجلات كانت حبيسة الأدراج لسنوات.

تضمن القانون بنوداً صارمة تفرض نشر:

  • كافة تفاصيل الرحلات الجوية والاتصالات المتعلقة بجزيرة إبستين المشبوهة.
  • الكشف عن هويات الأفراد المذكورين في التحقيقات دون استثناء، باستثناء الضحايا.
  • تقديم تقارير مفصلة للكونغرس حول أي معلومات تم حجبها بدواعي الأمن القومي أو حماية الخصوصية.

هذا الضغط التشريعي يعكس رغبة حقيقية في كشف كيف استطاع رجل أعمال مدان بالاتجار بالجنس بناء شبكة تضم رؤساء، وفنانين، وقادة دول، وأفراداً من عائلات مالكة حول العالم.

3 ملايين صفحة: الغوص في أعماق الفضيحة

بعد عمل شاق شارك فيه مئات المحامين ومحللي البيانات من مكتب التحقيقات الفدرالي، أصبحت المادة متاحة للعلن. نحن نتحدث عن 3 ملايين صفحة، و180 ألف صورة، وحوالي 2000 فيديو. هذه الكمية المهولة من البيانات لا يمكن استيعابها في أيام قليلة، مما يترك الباب مفتوحاً أمام احتمالات اكتشاف تفاصيل جديدة قد تغير مسار الرأي العام.

تتنوع الشخصيات المذكورة في الوثائق بين رواد أعمال في وادي السيليكون، وأساتذة جامعات مرموقين، ومخرجين عالميين، مما يثبت أن القضية ليست مجرد انحراف شخصي، بل هي شبكة نفوذ واسعة النطاق اخترقت أهم مؤسسات القوى العالمية.

التساؤلات حول ترمب: جدل لا ينتهي

ورد ذكر اسم ترمب في الوثائق أكثر من 4800 مرة، وهو ما فتح باب التأويلات على مصراعيه. وفي حين يتمسك ترمب بأن هذه الأرقام هي مجرد ذكر عابر لا يحمل دليلاً على سوء سلوك، يرى محللون سياسيون أن كثرة المرات التي ذكر فيها الاسم تثير تساؤلات مشروعة حول طبيعة التقارب السابق بينهما.

وفي هذا الصدد، يشير الخبير السياسي بيتر روف إلى أن الحالة الراهنة في أمريكا هي حالة من “التفسير بناءً على الانتماء”؛ فالديمقراطيون يواصلون البحث عن أي خيط قد يربط الرئيس بأعمال غير قانونية، بينما يرى أنصار ترمب أن القضية برمتها هي محاولة للتشهير السياسي. ومع ذلك، فإن عدم وجود “دليل جرمي مباشر” حتى الآن لا يعني بالضرورة انتهاء الجدل، خاصة مع استمرار المحللين في البحث خلف السطور.

التبعات الشعبية واختبار الثقة

أظهرت استطلاعات الرأي التي أجرتها شبكة “سي إن إن” أن هناك أزمة ثقة حقيقية؛ حيث يعتقد ثلثا الأمريكيين، بمن فيهم نسبة كبيرة من الجمهوريين، أن هناك محاولات قد تمت بالفعل لإخفاء أو تنقيح ملفات معينة بشكل يحمي شخصيات نافذة.

هذا التشكيك الشعبي يضع إدارة ترمب ووزارة العدل في موقف دفاعي، حيث يتوجب عليهم إثبات أن عملية النشر كانت كاملة وغير منقوصة. إن قضية إبستين لم تعد مجرد ملاحقة جنائية، بل أصبحت اختباراً لمدى شفافية المؤسسات الأمريكية وقدرتها على محاسبة “النخبة” بغض النظر عن مناصبهم.

موقف وزارة العدل والتحديات القانونية

بررت وزارة العدل التأخر في كشف الوثائق بالحاجة لحماية ضحايا إبستين وعدم الإضرار بالتحقيقات الجارية. ومع ذلك، فإن القانون رقم 4405 وضع الوزارة تحت المجهر، حيث بات عليها تقديم ملخصات واضحة لأي حجب تم تنفيذه. الصراع الآن يدور حول “ما وراء السطور”؛ وهل تم حجب أسماء معينة تحت ذريعة حماية التحقيق؟ هذا السؤال هو ما ستحاول لجان الكونغرس الإجابة عليه في الأشهر المقبلة.

في النهاية

لا يمكن اعتبار ملفات إبستين قضية مغلقة بمجرد نشر الوثائق، بل هي جرح مفتوح في الضمير السياسي الأمريكي. ورغم أن الرئيس ترمب يحاول طي الصفحة والتركيز على قضايا الاقتصاد، إلا أن التاريخ يخبرنا أن الحقائق في مثل هذه القضايا الكبرى تظهر تدريجياً. وسيبقى الترقب هو سيد الموقف في واشنطن، بانتظار ما ستسفر عنه مراجعات الخبراء لهذه الملايين من الصفحات، وهل ستظهر أدلة جديدة تغير ملامح المشهد، أم سيبقى الأمر في إطار التراشق السياسي المستمر؟ الحقيقة الكاملة لا تزال تتشكل، والكلمة الأخيرة لم تُقل بعد.

شاركها.