تترقب الأوساط السياسية والقانونية في إسرائيل قرارًا بشأن إمكانية حصول رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو على عفو رئاسي، في ظل استمرار التحقيقات والمحاكمات المتعلقة بتهم الفساد الموجهة إليه. يأتي هذا الجدل في وقت حرج تشهد فيه الدولة استقطابًا داخليًا حادًا وتداعيات محتملة على استقرار الحكومة وعلاقاتها الإقليمية والدولية.
خلفية قضية العفو الرئاسي لنتنياهو
تعود جذور هذه القضية إلى سلسلة من التحقيقات التي كشفت عن مزاعم بالفساد ضد نتنياهو، والتي تعود إلى عدة سنوات. تتركز هذه المزاعم حول تلقي هدايا ورشاوى، وتدخلات في وسائل الإعلام، واستغلال النفوذ السياسي لتحقيق مكاسب شخصية. وقد أدت هذه التحقيقات بالفعل إلى إدانة بعض المقربين من نتنياهو.
وقد وجهت إلى نتنياهو تهم رسمية في عام 2019، تشمل الرشوة والاحتيال وخيانة الأمانة في ثلاث قضايا رئيسية، والتي تعرف في الإعلام بـ “الملف 1000”، و “الملف 2000” و “الملف 4000”. هذه التهم أثارت جدلاً واسعًا حول مدى تأثيرها على قدرته على القيام بواجباته كرئيس للوزراء.
تفاصيل القضايا الموجهة لنتنياهو
يشمل “الملف 1000” مزاعم بتلقي رئيس الوزراء هدايا قيمة من رجال أعمال، بما في ذلك السيجار والشمبانيا، مقابل خدمات سياسية. أما “الملف 2000” فيتعلق باتهامات بمحاولة التوصل إلى اتفاق مع ناشر صحيفة “يديعوت أحرونوت” لتلقي تغطية إيجابية في الصحيفة مقابل إضعاف صحيفة منافسة.
ويعتبر “الملف 4000” الأكثر خطورة، حيث يُتهم نتنياهو بتقديم تسهيلات تنظيمية لشركة الاتصالات “بيزك” مقابل الحصول على تغطية إعلامية مواتية في موقع “واللا” الإخباري. ويثير هذا الملف تساؤلات حول التدخل السياسي في عمل وسائل الإعلام واستغلال السلطة لتحقيق مصالح شخصية.
الدور الرئاسي والصلاحيات الدستورية
تتجه الأنظار الآن نحو الرئيس الإسرائيلي إسحاق هرتسوغ، الذي يمتلك صلاحية إصدار العفو الرئاسي بموجب القانون الإسرائيلي. تاريخيًا، كانت هذه الصلاحية تستخدم في حالات محدودة، وغالبًا ما تكون مرتبطة بقضايا أمنية أو ذات طابع إنساني.
ومع ذلك، فإن إمكانية منح عفو لنتنياهو وهو لا يزال في منصبه، وتحديدًا في ظل هذه الظروف، تثير جدلاً قانونيًا ودستوريًا عميقًا. يرى بعض الخبراء أن منح العفو قبل إتمام المحاكمة قد يتعارض مع مبدأ سيادة القانون، بينما يرى آخرون أن الرئيس يتمتع بسلطة تقديرية واسعة في هذا الشأن. المعركة القانونية مستمرة حول مدى شرعية هذا الإجراء.
تداعيات محتملة: سياسيًا واجتماعيًا
قد يكون لأي قرار بشأن العفو تداعيات كبيرة على المشهد السياسي الإسرائيلي. فمن شأن إصدار العفو أن يثير غضبًا شعبيًا واسعًا واحتجاجات من المعارضة، التي ترى في ذلك محاولة للتغطية على قضايا فساد خطيرة. قد يؤدي ذلك إلى مزيد من الاستقطاب وتراجع الثقة في المؤسسات السياسية.
في المقابل، يعتقد أنصار نتنياهو أن المحاكمة هي مجرد “ملاحقة سياسية” تهدف إلى إقصائه عن السلطة. ويرون أن العفو يمكن أن يساهم في استقرار الأوضاع السياسية وتجنب المزيد من الأزمات. وسيكون هناك ضغوط كبيرة على نتنياهو لقبول أي صفقة عفو تتضمن اعتزاله الحياة السياسية، وهو أمر يرفضه حتى الآن.
الآفاق الإقليمية والدولية
بالإضافة إلى التداعيات الداخلية، فإن هذه القضية تثير قلقًا على الصعيدين الإقليمي والدولي. وتتابع العواصم الغربية، وخاصة الولايات المتحدة، هذه التطورات عن كثب، خشية أن تؤثر الأزمة السياسية في إسرائيل على قدرتها على التعامل مع القضايا الإقليمية الحساسة، مثل الملف النووي الإيراني.
يعتمد استقرار المنطقة بشكل كبير على استقرار إسرائيل، وأي صراعات داخلية قد تؤدي إلى تدهور الأوضاع وزيادة التوترات. كما أن العلاقات مع الدول العربية، وخاصة تلك التي طبعت علاقاتها مع إسرائيل مؤخرًا، قد تتأثر سلبًا إذا استمرت الأزمة السياسية. القضية الفلسطينية أيضًا ستتلقى اهتمامًا أقل وسط هذا الشلل.
من المتوقع أن يتخذ الرئيس هرتسوغ قرارًا في الأسابيع القادمة، بعد التشاور مع المستشارين القانونيين والسياسيين. ومع ذلك، فإن هذا القرار قد يخضع لطعون قضائية، مما قد يؤدي إلى تأخير تنفيذه. وستظل الأوساط السياسية والقانونية في إسرائيل والعالم تتابع هذه القضية باهتمام بالغ، مع الأخذ في الاعتبار التداعيات المحتملة على مستقبل البلاد والمنطقة.


