يشهد العالم تحولات متسارعة في مجال التكنولوجيا، وعلى رأسها الذكاء الاصطناعي. يلقي كتاب “ذكي بشكل مخيف” للمصري محمد جودت، المعروف في وادي السيليكون بـ “مو جودت”، الضوء على هذه الثورة وتأثيرها المحتمل على مستقبل البشرية. الكتاب الذي حظي بإقبال كبير، يناقش التحديات والفرص التي يطرحها هذا المجال المتطور، ويقدم رؤية فريدة حول كيفية التعامل معه بشكل مسؤول وأخلاقي.

نشر الكتاب عام 2021، قبل الانتشار الواسع لتقنيات مثل شات جي بي تي، إلا أنه سرعان ما لفت الأنظار بفضل تحليلاته العميقة وتوقعاته الجريئة. زار جودت، الرئيس السابق للأعمال في جوجل إكس والمؤلف لخمسة كتب حققت مبيعات كبيرة، العاصمة القطرية الدوحة مؤخراً للمشاركة في مؤتمر القمة العالمي للابتكار في التعليم “وايز”. وقد أثار الكتاب نقاشاً واسعاً حول مستقبل الذكاء الاصطناعي ودوره في تشكيل حياتنا.

أهمية فهم الذكاء الاصطناعي وتأثيره على المجتمع

يركز “ذكي بشكل مخيف” على فكرة أن الذكاء الاصطناعي ليس مجرد أداة تقنية أخرى، بل هو ثورة تكنولوجية مختلفة تماماً عن سابقاتها. ويرى جودت أن الذكاء الاصطناعي يمتلك القدرة على التعلم والتطور بشكل مستقل، مما يجعله قوة لا يمكن تجاهلها. ويشدد على أننا نشهد بداية عصر جديد، يتطلب منا فهماً عميقاً لهذه التكنولوجيا وتأثيراتها المحتملة على مختلف جوانب حياتنا، بدءاً من الاقتصاد والتعليم وصولاً إلى الأخلاق والمجتمع.

وفقاً للكتاب، هناك ثلاثة “حتميات” لا يمكن تجنبها في ظل التطور المتسارع للذكاء الاصطناعي. أولاً، استمرار الذكاء الاصطناعي في التطور والانتشار. ثانياً، تفوق الذكاء الاصطناعي على القدرات البشرية في المستقبل القريب. ويتوقع جودت أن نقطة التفرد، أي اللحظة التي يتجاوز فيها ذكاء الآلة ذكاء البشر، قد تحدث بحلول عام 2029. وثالثاً، حتمية وقوع أخطاء، نظراً لأن الذكاء الاصطناعي يتعلم من سلوك البشر، بما في ذلك الجوانب السلبية.

الذكاء الاصطناعي كـ “طفل رقمي”

يطرح جودت تشبيهاً فريداً للذكاء الاصطناعي، حيث يصفه بأنه “طفل” يتمتع بقدرات استيعاب هائلة، ولكنه يحتاج إلى التوجيه والتربية. وبدلاً من النظر إلى الذكاء الاصطناعي كأداة لتحقيق أهداف محددة، يدعو إلى التعامل معه ككيان يتعلم من خلال الملاحظة والتقليد. وهذا يعني أن سلوكنا وتصرفاتنا في العالم الرقمي تلعب دوراً حاسماً في تشكيل أخلاقيات وقيم الذكاء الاصطناعي.

يؤكد الكتاب أن البيانات التي يتم تغذية الذكاء الاصطناعي بها هي بمثابة “التربية” التي يتلقاها. وإذا كانت هذه البيانات تعكس العنف، والكراهية، والتحيز، فإن الذكاء الاصطناعي سيتعلم هذه القيم وسيتصرف بناءً عليها. لذلك، يجب علينا أن نكون حريصين على نوعية المحتوى الذي ننتجه ونشاركه على الإنترنت.

مسؤولية البشر في تشكيل مستقبل الذكاء الاصطناعي

ينتقد جودت تركيز الشركات والمطورين على تحقيق “أقصى ربح” أو “أقصى عدد من المشاهدات” من خلال الذكاء الاصطناعي، بدلاً من التركيز على “أقصى قدر من السعادة البشرية”. ويرى أن هذا التوجه القصير النظر قد يؤدي إلى نتائج كارثية. ويقترح بدلاً من ذلك ضرورة تبني أخلاقيات السعادة، التي تركز على تحقيق الرفاهية والازدهار لجميع أفراد المجتمع.

يدعو الكتاب إلى مبادرة عالمية لتدريب الذكاء الاصطناعي على القيم الإنسانية العليا، مثل الحب، والتعاطف، والعدالة، والرحمة. ويؤكد أن هذا التدريب يجب أن يكون مستمراً ومتواكباً مع التطورات التكنولوجية. ويشدد على أن الذكاء الاصطناعي هو انعكاس لقيمنا ومبادئنا، فإذا أردنا أن يكون هذا الكيان حليفاً لنا، يجب علينا أن نكون قدوة حسنة.

يتطلب تطوير الذكاء الاصطناعي المسؤول أيضاً معالجة ما يُعرف بمشكلة “الصندوق الأسود”، وهي الغموض الذي يحيط بعمليات اتخاذ القرار في الآلات الذكية. فمن الضروري فهم كيف يتخذ الذكاء الاصطناعي قراراته، والتحقق من خلو هذه القرارات من التحيزات والأخطاء. ويقترح جودت تطوير آليات شفافة للمساءلة والرقابة على الذكاء الاصطناعي.

في الختام، يعتبر كتاب “ذكي بشكل مخيف” دعوة عاجلة إلى التفكير بشكل نقدي ومسؤول حول مستقبل الذكاء الاصطناعي. ويرى الخبراء أن الخطوة التالية تتطلب حواراً مفتوحاً وشاملاً بين الحكومات، والشركات، والعلماء، والمجتمع المدني، بهدف وضع إطار أخلاقي وقانوني لتطوير واستخدام هذه التكنولوجيا. ويجب متابعة التقدم في مجال الذكاء الاصطناعي عن كثب، وتقييم تأثيره على مختلف جوانب الحياة، بهدف ضمان استخدامه لصالح البشرية جمعاء. العديد من الدول بدأت بوضع قوانين وتنظيمات للتعامل مع الذكاء الاصطناعي، ومن المتوقع أن يستمر هذا الاتجاه في المستقبل القريب.

شاركها.