أظهرت دراسة حديثة أجراها فريق دولي من الباحثين أن اتباع نظام غذائي مدعوم بمكملات نباتية محددة وبكتيريا نافعة (Probiotic) قد يكون له دور في إبطاء تطور سرطان البروستاتا في الدم لدى الرجال المصابين بحالات منخفضة الخطورة. وقد سلطت الدراسة الضوء على العلاقة الناشئة بين صحة الأمعاء وتطور هذا النوع من السرطان، مما يفتح الباب أمام استراتيجيات علاجية جديدة.

شارك في الدراسة التي قادها البروفيسور روبرت توماس من جامعة “بيدفوردشير” بالتعاون مع مؤسسات طبية وأبحاثية في المملكة المتحدة والولايات المتحدة وأستراليا، ما يقرب من 212 رجلاً مصاباً بسرطان البروستاتا منخفض الخطورة. وقد تم نشر النتائج في مجلة “علم الأورام البولية الأوروبية” (European Urology Oncology Journal) في الأول من أكتوبر 2026.

دور النظام الغذائي في سرطان البروستاتا

أشار الباحثون إلى أن العلاقة بين صحة الأمعاء وتطور سرطان البروستاتا تحظى باهتمام متزايد، ويعزى ذلك إلى دور الميكروبيوم المعوي في تنظيم الالتهابات والاستجابة المناعية، وهما عاملان مهمان في تطور السرطان. يهدف البحث إلى استكشاف ما إذا كان تعزيز النظام الغذائي بمواد كيميائية نباتية (Phytonutrients) وبكتيريا نافعة من نوع لاكتوباسيلوس (Lactobacillus) يمكن أن يؤثر على مسار المرض.

تم تطوير مكمل غذائي خاص يحتوي على مكونات طبيعية معروفة بخصائصها المضادة للأكسدة والمضادة للالتهابات، بما في ذلك البروكلي والكركم والرمان والشاي الأخضر والزنجبيل والتوت البري. تم دمج هذه المكونات مع بكتيريا نافعة مُعدّة خصيصاً لتعزيز التوازن الصحي في الأمعاء.

تصميم الدراسة والمنهجية

تم تقسيم المشاركين في الدراسة بشكل عشوائي إلى مجموعتين رئيسيتين. تلقت المجموعة الأولى المكمل الغذائي بالإضافة إلى علاج وهمي، بينما تلقت المجموعة الثانية المكمل الغذائي مع جرعة محددة من البروبيوتيك. قام الباحثون بتقييم تطور المرض على مدار أربعة أشهر باستخدام مؤشرات حيوية رئيسية، بما في ذلك مستويات مستضد البروستاتا النوعي (PSA) في الدم، وفحوصات التصوير بالرنين المغناطيسي (MRI) لتقييم حجم الورم ومكانه.

النتائج الإحصائية وتحليل البيانات

أوضحت النتائج تباطؤاً ملحوظاً في تطور مستضد البروستاتا النوعي لدى كلتا المجموعتين، إلا أن المجموعة التي تلقت المكمل الغذائي مع البروبيوتيك أظهرت استجابة أفضل. في مجموعة (المكمل + الدواء الوهمي)، حافظ 82% من المشاركين على استقرار حالتهم، بينما شهد 18% تفاقماً في المرض. أما في مجموعة (المكمل + البروبيوتيك)، فقد حافظ 85.5% من المشاركين على حالة مستقرة، وسجل 6.7% منهم تراجعاً (تحسناً) في المرض، ولم يشهد سوى 7.8% تقدماً في حالتهم.

بالإضافة إلى ذلك، أظهرت الدراسة انخفاضاً واضحاً في مؤشرات الالتهاب في الدم لدى المجموعة التي تناولت البروبيوتيك، وتحسناً في أعراض الجهاز البولي لدى حوالي ربع المشاركين، بالإضافة إلى تحسن ملحوظ في القوة البدنية والنشاط العام.

بديل واعد للجراحة والعلاج الإشعاعي

تُعد هذه النتائج ذات أهمية خاصة بالنظر إلى أن العديد من المرضى المصابين بسرطان البروستاتا منخفض الخطورة يفضلون في البداية اتباع نهج المراقبة النشطة بدلاً من الخضوع لجراحة فورية أو علاج إشعاعي. لكن الخوف من تفاقم المرض غالباً ما يدفعهم إلى تغيير رأيهم واللجوء إلى التدخلات الجراحية، والتي قد تحمل مخاطر وآثار جانبية.

يعتقد البروفيسور توماس أن النظام الغذائي المحدد يمكن أن يعمل بمثابة “صمام أمان”، حيث يبطئ تطور السرطان ويوفر للمرضى الثقة لمواصلة المراقبة. وهي بذلك تقلل الحاجة إلى التدخلات الجراحية المكثفة. يرى الدكتور جيفري ألدوس أن هذه النتائج تعزز فهمنا لكيفية تأثير التغييرات الغذائية على الميكروبيوم المعوي ودوره في تحسين الصحة العامة للمرضى.

وتشير البيانات الأولية إلى أن هذا النهج الغذائي قد يكون فعالاً في إدارة الأورام، خاصة تلك التي في مراحلها المبكرة. لا تزال هناك حاجة إلى مزيد من البحث لتأكيد هذه النتائج وتحديد الآليات البيولوجية الدقيقة التي تقوم عليها هذه الفعالية.

الخطوات التالية والتوقعات المستقبلية

يخطط فريق البحث لإجراء دراسات متابعة أطول أمداً لتقييم التأثير طويل المدى لهذا النظام الغذائي على تطور سرطان البروستاتا. يهدفون أيضاً إلى تحديد المكونات الغذائية والبروبيوتيك الأكثر فعالية، وتصميم تدخلات غذائية مخصصة تلبي الاحتياجات الفردية للمرضى. من المتوقع أن يتم نشر نتائج هذه الدراسات المتابعة في غضون عامين من الآن، وقد تؤدي إلى تغييرات كبيرة في الإرشادات السريرية الحالية لعلاج سرطان البروستاتا.

بالإضافة إلى ذلك، هناك اهتمام متزايد بامكانية استخدام هذه النهج الغذائية كجزء من استراتيجية علاجية شاملة، تجمع بين التغذية السليمة والتمارين الرياضية والعلاج الدوائي، بهدف تحسين فرص الشفاء وتقليل خطر عودة المرض.

شاركها.