أجرى صاحب السمو الأمير فيصل بن فرحان، وزير الخارجية السعودي، اتصالاً هاتفياً بنظيره السوري، الدكتور أسعد الشيباني، ناقش آخر التطورات في سوريا وجهود حل الأزمة. هذا التواصل يعكس استمرار مساعي المملكة العربية السعودية لإعادة دمج سوريا في العالم العربي، بعد سنوات من العزلة الدبلوماسية. ويأتي الاتصال في ظل تحولات إقليمية تهدف إلى إيجاد حلول سياسية للأزمة السورية.

اللقاء الذي جرى مؤخراً يمثل تتويجاً لسلسلة مباحثات واتصالات دبلوماسية مكثفة بين الرياض ودمشق. وقد سبق هذا الاتصال، عودة الوفد السوري للمشاركة في اجتماعات جامعة الدول العربية، مما يشير إلى تحسن تدريجي في العلاقات بين سوريا والدول العربية. وتم الاتصال بحسب المصادر، في إطار الجهود الإقليمية المتواصلة.

الجهود السعودية الدبلوماسية في سوريا

تتولى المملكة العربية السعودية دوراً محورياً في الجهود المبذولة لإيجاد حل للأزمة السورية، من خلال التنسيق مع دول عربية أخرى مؤثرة مثل الأردن ومصر. وترتكز هذه الجهود على مقاربة “خطوة مقابل خطوة” تهدف إلى تحقيق تقدم ملموس على الأرض، مع مراعاة مصالح جميع الأطراف المعنية. تهدف هذه الاستراتيجية إلى بناء الثقة وتحقيق الاستقرار التدريجي.

عناصر مقاربة “خطوة مقابل خطوة”

تتضمن هذه المقاربة عدة عناصر أساسية، حسبما أفادت وزارة الخارجية السعودية، منها ضرورة تنفيذ الحكومة السورية لالتزامات محددة تتعلق بتهيئة الظروف لعودة آمنة للاجئين، ومكافحة الإرهاب وتهريب المخدرات، بالإضافة إلى استعادة سيادة الدولة على كامل أراضيها. مقابل هذه الالتزامات، من المتوقع أن تشهد سوريا تخفيفاً للعقوبات العربية، وزيادة في الدعم الإنساني والاقتصادي.

من أهم الملفات التي ناقشها الوزيران، وفقاً لبيان صادر عن وزارة الخارجية السعودية، ملف اللاجئين السوريين. وتعتبر عودة هؤلاء اللاجئين إلى ديارهم بشكل آمن وطوعي أولوية قصوى للمملكة وللأطراف العربية المعنية. تكمن الصعوبة في ضمان الشروط الأمنية والإنسانية المناسبة لعملية العودة.

بالإضافة إلى ذلك، ناقش الجانبان خطر تهريب المخدرات، وخاصة حبوب الكبتاجون، والتي تمثل تهديداً متزايداً لأمن واستقرار المنطقة. وتشير التقارير إلى أن سوريا أصبحت نقطة عبور رئيسية لهذه المخدرات، مما يتطلب تضافر الجهود الإقليمية والدولية لمكافحة هذه الظاهرة. وتعتبر هذه القضية من القضايا الأمنية الملحة التي تتطلب حلاً سريعاً.

وفي سياق متصل، أكدت مصادر دبلوماسية أن المباحثات بين الرياض ودمشق تتناول أيضاً قضية الوجود الأجنبي غير المشروع على الأراضي السورية، ومساعي استعادة سيادة الدولة السورية على كامل أراضيها. وتعتبر هذه القضية من القضايا السيادية الهامة التي يجب حلها من خلال الحوار والتفاوض. تؤثر هذه المسألة بشكل مباشر على الاستقرار الإقليمي.

إن هذه المباحثات تمثل فرصة تاريخية لتحقيق تسوية سياسية شاملة للأزمة السورية، وإعادة بناء الثقة بين الأطراف المعنية. ومع ذلك، لا تزال هناك العديد من العقبات والتحديات التي تقف في طريق تحقيق هذا الهدف. يتطلب الأمر إرادة سياسية قوية، وتنازلات من جميع الأطراف، من أجل تجاوز هذه العقبات.

من الجدير بالذكر أن القمة العربية التي عقدت في جدة في مايو 2023، شهدت عودة التمثيل السوري الرسمي إلى جامعة الدول العربية، مما فتح الباب أمام عودة الدبلوماسية العربية إلى سوريا. هذه الخطوة تعتبر بداية جديدة في العلاقات العربية-السورية، وتهدف إلى المساهمة في تحقيق الاستقرار والسلام في المنطقة. وقد لاقت هذه الخطوة ترحيباً واسعاً من قبل العديد من الدول العربية.

على الرغم من التقدم الملحوظ في مسار العلاقات العربية-السورية، لا تزال هناك تحديات كبيرة قائمة. من بين هذه التحديات، استمرار الأزمة الاقتصادية في سوريا، وتدهور الأوضاع الإنسانية، وانتشار الجماعات المتطرفة. يتطلب الأمر جهوداً دولية مكثفة لمواجهة هذه التحديات وتقديم المساعدة اللازمة للشعب السوري. إن مفتاح الاستقرار يكمن في التنمية الاقتصادية والاجتماعية.

من المتوقع أن تستمر الجهود الدبلوماسية العربية في الفترة القادمة، بهدف تحقيق تقدم ملموس على الأرض، وتهيئة الظروف لعودة سوريا إلى محيطها العربي. وستركز هذه الجهود على تنفيذ الالتزامات التي تم الاتفاق عليها في القمة العربية الأخيرة، وتقديم الدعم اللازم للشعب السوري. القادم يحمل الكثير من التطورات التي يجب مراقبتها عن كثب.

يُنتظر أن تعلن جامعة الدول العربية عن موعد محدد لاستئناف اجتماعاتها التشاورية بشأن سوريا في الأشهر المقبلة. وستكون هذه الاجتماعات فرصة لتقييم التقدم المحرز في تنفيذ المبادرات العربية، ومناقشة الخطوات التالية. ويتوجب متابعة تطورات الأوضاع السياسية والأمنية في سوريا، بالإضافة إلى استمرار الضغط على الأطراف المعنية من أجل الالتزام بقرارات الشرعية الدولية.

شاركها.