كشفت حركة “سلام الآن” عن تقرير يرصد خطوات حكومية إسرائيلية نحو نقل صلاحيات الإدارة المدنية للمستوطنين، ما اعتبرته الحركة شكلًا من أشكال ضم الضفة الغربية غير المعلن. التقرير يشير إلى إقامة نحو 23 بؤرة استيطانية خلال عامين ونصف وتعزيز نفوذ المستوطنين في مناطق كانت تحت إدارة مدنية فلسطينية.

بحسب الحركة، تأتي هذه الإجراءات في سياق سياسات تهدف إلى تقويض السلطة الفلسطينية اقتصاديًا وسياسيًا من خلال تجميد أموال المقاصة وقطع إمدادات الوقود، بينما تُحوّل مسؤوليات مدنية إلى جهات ترتبط بالمستوطنين والإدارة الإسرائيلية دون قرار علني بضم الضفة الغربية.

تقرير “سلام الآن” ونقل الصلاحيات: ضم الضفة الغربية غير المعلن

أورد تقرير حركة “سلام الآن” أن الحكومة الإسرائيلية أقامت حوالي 23 بؤرة استيطانية خلال نحو عامين ونصف في مناطق مصنفة من نوع “ب” بموجب اتفاق أوسلو، وهو ما اعتبرته الحركة خطوة عملية لتوسيع رقعة الاستيطان ونقل صلاحيات الإدارة المدنية للمستوطنين. بالإضافة إلى ذلك، أشار التقرير إلى أن عمليات نقل الصلاحيات تتم من دون إعلان رسمي لإلغاء الاتفاقات أو تطبيق إجراء تشريعي معلن بشأن الضم.

من ناحية أخرى، ترى الحكومة الإسرائيلية أن هذه الإجراءات تمثل “تصحيحًا لأخطاء” تاريخية وتعزيزًا لما وصفه مسؤولون بأنه أمن استراتيجي، بينما تصف الحركة والعشرات من المنظمات الحقوقية هذه الخطوات بأنها ضم الضفة الغربية فعليًا عبر نهج تدريجي ومحصّن قانونيًا من خلال ممارسات إدارية.

خلفية التقسيم وفق اتفاق أوسلو واتفاقية طابا

ينطلق الجدل الحالي من التقسيم الذي نصت عليه اتفاقية طابا الموقعة في 28 سبتمبر 1995، والتي رتبت الضفة الغربية إلى مناطق (أ) و(ب) و(ج). مناطق (أ) تخضع للسيطرة المدنية والأمنية الفلسطينية الكاملة وتشكل نحو 21% من مساحة الضفة، بينما مناطق (ب) تمثل نحو 18% وتديرها مدنيًا السلطة الفلسطينية مع مسؤولية إسرائيل عن الأمن.

أما مناطق (ج)، فتمثل نحو 61% من المساحة وتخضع للسيطرة الإسرائيلية الكاملة، وتشمل المستوطنات وشبكات الطرق والمناطق الاستراتيجية. لذلك فإن أي نقل صلاحيات في مناطق (ب) يُعد تغييرًا عمليًا في ترتيبات قائمة ترتبط مباشرة بتعهدات واردة في اتفاق أوسلو.

اعتداءات ميدانية وتأثير الاستيطان على المدنيين

ميدانيًا، شهدت قرية المغير شمال شرق رام الله هجومًا لمستوطنين بحماية قوات إسرائيلية أسفر عن إصابة ستة فلسطينيين بالاختناق، بينهم أطفال ونساء، بحسب وكالة الأنباء والمعلومات الفلسطينية ومصادر محلية. الحادث يمثل جزءًا من تصاعد الاعتداءات المرتبطة بامتداد الاستيطان والتوترات حول أراضي الحقول والحراثة الزراعية.

كما أفادت هيئة مقاومة الجدار والاستيطان بأن القوات الإسرائيلية والمستوطنين نفذوا 2256 اعتداء على الفلسطينيين وممتلكاتهم خلال شهر تموز، منها 1458 اعتداء نسبت للجيش و798 نسبت للمستوطنين. هذه الأرقام تُبرز تأثير سياسة الأرض والوجود على حياة المدنيين اليومية وتهديد سبل عيش المزارعين والقرى الصغيرة.

ردود رسمية وموقف السلطة والمنظمات الحقوقية

على الصعيد الرسمي الإسرائيلي وصف وزير المالية بتسلئيل سموتريتش ما ورد في التقرير بأنه “شهادة إنجازات” للحكومة، معتبرًا أن الخطوات تشكل مراجعة لسياسات سابقة و”ثورة استيطان” هدفها منع إقامة دولة فلسطينية، وفق ما نقلته وسائل إعلام إسرائيلية عن تصريحاته. وفي المقابل، تؤكد السلطة الفلسطينية أن تلك السياسات تهدف لإضعاف مؤسساتها وإخراجها من معادلات الإدارة اليومية.

من جانب المنظمات الحقوقية ودول غربية، تشير التقارير إلى أن نقل صلاحيات وإقامة بؤر استيطانية في مناطق (ب) قد يخالف التزامات إسرائيل الدولية ومضامين اتفاق أوسلو، وقد يؤدي إلى توترات دبلوماسية وارتفاع الضغوط الحقوقية والقانونية. تواجه هذه الإجراءات نقدًا من جهات تعتبرها محاولة لفرض وقائع على الأرض تمهيدًا للتغيير الدائم في الوضع النهائي.

آثار اقتصادية وأمنية وسياسية يجب مراقبتها

تأثير تجميد أموال المقاصة وقطع إمدادات الوقود يمتد بعيدًا عن البعدين الرمزي والسياسي إلى ضرب قدرة السلطة الفلسطينية على دفع الرواتب وتقديم الخدمات الأساسية، ما يعمق أزمة الثقة بين الأطراف ويزيد من هشاشة الوضع الأمني والاجتماعي في الضفة الغربية. علاوة على ذلك، قد تؤدي موجة الاستيطان والتوسع الإداري إلى تفاقم المواجهات المحلية وتقييد حرية الحركة للفلسطينيين.

على المدى السياسي، يُحتمل أن تسعى أطراف فلسطينية ودولية لرفع قضايا أمام محافل دولية أو لفرض ضغوط اقتصادية ودبلوماسية على الأطراف الإسرائيلية، بينما قد تتبنى الحكومة الإسرائيلية نهجًا عمليًا لإضفاء صفة الأمر الواقع على السيطرة في المناطق المتنازع عليها.

خاتمة: نقاط يجب متابعتها في الأسابيع المقبلة

يُعد مراقبة تحويل الصلاحيات الإدارية، واستمرار إقامة البؤر الاستيطانية، والمواقف الدولية من الإجراءات الإسرائيلية، أمورًا أساسية في الأسابيع والأشهر القادمة. كما يجب متابعة أي خطوات فلسطينية للرد السياسي أو القضائي وآثار تجميد الموارد على الخدمات المحلية.

من المتوقع أن تحدد التطورات التالية مسارات التوتر أو التهدئة؛ لذلك ينبغي متابعة تقارير المنظمات المحلية والدولية، وقرارات الحكومة الإسرائيلية، وردود فعل السلطة الفلسطينية والمجتمع الدولي لتقييم ما إذا كان التحول الإداري سيدفع نحو تسوية جديدة أم نحو تعميق الانقسام والاحتكاك.

شاركها.