سيطرت أسواق الأسهم الأوروبية على النصف من أفضل 20 سوقًا مالية عالميًا هذا العام، مسجلة أداءً يفوق التوقعات. هذا التفوق يعكس تجدد ثقة المستثمرين في القارة العجوز، مع تحسن الآفاق الاقتصادية. ويثير هذا الأمر دهشة كبيرة، خاصة وأن معظم التوقعات الأولية كانت تشير إلى أداء باهت، وأن الاقتصاد الأمريكي سيكون المحرك الرئيسي لنمو “وول ستريت”.

الأداء المتميز لـالأسهم الأوروبية وتفوقها على نظيرتها الأمريكية

حققت أسواق مثل المجر وسلوفينيا وجمهورية التشيك مكاسب بالدولار تجاوزت 60% حتى الآن هذا العام، مما جعلها ضمن قائمة أفضل عشرة أسواق على مستوى العالم. تلاها أداء قوي من إسبانيا وبولندا والنمسا، في حين ارتفع مؤشر ألمانيا بنسبة 34% بالدولار.

يُظهر مؤشر “ستوكس 600” الأوروبي، مع بقاء شهر واحد على نهاية العام، إمكانية تحقيق أفضل أداء له مقابل مؤشر “ستاندرد آند بورز 500” الأمريكي منذ عام 2006. هذا الأداء مدفوع بشكل أساسي بتراجع معدلات التضخم في أوروبا مقارنة بالولايات المتحدة، وتوقع زيادة الإنفاق الحكومي في ألمانيا، والتحسن المتوقع في أرباح الشركات.

العوامل الداعمة لنمو الأسواق الأوروبية

ساهمت عدة عوامل في هذا التحول الإيجابي في أداء الأسهم الأوروبية. من أبرزها قوة اليورو، حيث ارتفعت قيمته بنسبة 12% مقابل الدولار مدفوعة بقرار ألمانيا زيادة الإنفاق على الدفاع والبنية التحتية. هذا القرار عزز الثقة في الاقتصاد الألماني وأثر بشكل إيجابي على منطقة اليورو بشكل عام.

بالإضافة إلى ذلك، أظهرت الدول الأوروبية – خاصة إيطاليا وإسبانيا – قدرة على الصمود في وجه التوترات التجارية العالمية، وذلك بفضل اعتمادها بشكل كبير على الدخل المحلي. كما أن انكشافها المحدود على قطاع الذكاء الاصطناعي، الذي يشهد تقلبات كبيرة في الولايات المتحدة، جعلها وجهة أكثر جاذبية للمستثمرين المحافظين.

تشير البيانات إلى أن عشرة أسواق أوروبية تحتل مكانًا ضمن أفضل 20 سوقًا أداءً على مستوى العالم هذا العام، وهو إنجاز نادر الحدوث، حيث لم يتم تحقيقه سوى في الأعوام 2004 و2015 و2023. ورغم أن مؤشري ألمانيا وفرنسا يحتلان مرتبتين متأخرتين في القائمة (34 و53 على التوالي)، إلا أنهما يتفوقان بشكل كبير على مؤشر “ستاندرد آند بورز 500″، الذي يحتل المركز 63 بين 92 مؤشرًا عالميًا.

قطاعات رئيسية تقود النمو وتدعم أداء الأسهم الأوروبية

تشهد قطاعات معينة في أوروبا نموًا ملحوظًا يدعم الأداء العام للأسهم. فقد ارتفعت أسهم البنوك الأوروبية بنسبة 67%، مدفوعة بتوقعات الأرباح القوية، وزيادة عمليات الاندماج والاستحواذ، واستقرار أسعار الفائدة. ويعتقد المستثمرون أن هذا القطاع سيستمر في تحقيق نتائج إيجابية.

كما شهدت شركات الدفاع، مثل “راينميتال” و “ليوناردو”، ارتفاعًا في أسعار أسهمها بسبب توقعات زيادة الإنفاق العسكري في السنوات المقبلة. بالإضافة إلى ذلك، استفادت شركات الطاقة المتجددة من الطلب المتزايد على الطاقة النظيفة، خاصة تلك المستخدمة لتشغيل البنية التحتية للذكاء الاصطناعي.

هناك أيضًا مؤشرات إيجابية في قطاع السلع الفاخرة، حيث تشير شركات كبرى مثل “إل في إم إتش” إلى تعافي الطلب الاستهلاكي بعد فترة من الضعف. وزادت جاذبية أسهم التعدين بسبب ارتفاع الطلب على المعادن المستخدمة في التحول الطاقي وقيود العرض. وحتى أسهم الرعاية الصحية، وهي قطاع دفاعي بشكل عام، بدأت تجذب المستثمرين بفضل التقييمات المغرية وتراجع المخاوف المتعلقة بتسعير الأدوية.

توقعات الأرباح والتقييمات

يتوقع المحللون أن تشهد أرباح الشركات الأوروبية نموًا ملحوظًا في العام المقبل، مما قد يقلل الفجوة مع نظيراتها الأمريكية. تشير التقديرات إلى أن شركات مؤشر “ستوكس 600” قد تحقق زيادة في الأرباح بنسبة 11%، بينما من المتوقع أن ترتفع أرباح شركات “ستاندرد آند بورز 500” بنسبة 13% في عام 2026. ويظل قطاع التكنولوجيا هو المحرك الرئيسي للنمو في الولايات المتحدة.

على الرغم من ذلك، يرى بعض المحللين أن التفاؤل بشأن الأسهم الأوروبية قد يكون مبالغًا فيه. وما زالت هناك تحديات تواجه هذه الأسواق، مثل عدم الاستقرار السياسي في فرنسا، والمخاوف بشأن تأثير التحفيز الألماني، والمنافسة المتزايدة من الصين.

لكن لا يزال تقييم الأسهم الأوروبية جذابًا. فمؤشر “ستوكس 600” يُتداول بمكرر ربح أقل بنسبة 35% مقارنة بمؤشر “ستاندرد آند بورز 500”. هذا يعني أن النمو المتواضع في الأرباح قد يكون كافيًا لدفع الأسواق الأوروبية إلى مستويات جديدة.

تشير البيانات إلى أن صناديق الأسهم الأوروبية جذبت تدفقات استثمارية بقيمة 52 مليار دولار هذا العام، بعد أن شهدت خروجًا بقيمة 66 مليار دولار في العام الماضي. ونظرًا لتلك التدفقات، يتوقع المراقبون أن تستمر أوروبا في جذب الاستثمارات خلال العام المقبل، مع الأخذ في الاعتبار أداء الأسواق العالمي وتقييم المخاطر. وينبغي مراقبة التطورات الاقتصادية والسياسية في أوروبا، خاصة في فرنسا وألمانيا، لتقييم مدى استمرار هذا الاتجاه الإيجابي.

شاركها.