يشهد العصر الرقمي المعاصر تزايداً في وتيرة التحول الرقمي وانتشار استخدام الإنترنت، مما أدى إلى بروز ظاهرة “تريندات وسائل التواصل الاجتماعي” كسمة أساسية. لقد ساهم التطور في البنية التحتية الرقمية وانتشار الهواتف الذكية في خلق بيئة خصبة لانتقال الأفكار والموضوعات بسرعة غير مسبوقة، مما جعل هذه التريندات قادرة على التأثير بعمق في أنماط الاستهلاك، والذوق العام، والقيم الثقافية، وحتى في مسار النقاشات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية.

أصدر مركز المعلومات ودعم اتخاذ القرار بمجلس الوزراء تحليلاً جديداً حول “تريندات وسائل التواصل الاجتماعي”، موضحاً أن هذه الظاهرة تعكس اهتمامات المجتمع من جهة، وتعيد تشكيل أولوياته وتفاعلاته من جهة أخرى. يعكس التحليل أبعاد هذه الظاهرة وتأثيراتها المتنوعة على الأفراد والمجتمع، مما يستدعي دراسة معمقة لفهم ديناميكياتها وآثارها.

تريندات وسائل التواصل الاجتماعي: مفهومها وآلية انتشارها

يُقصد بمصطلح “التريند” أو الاتجاه الرائج، النمط الأكثر انتشاراً وقبولاً خلال فترة زمنية محددة، والذي يعكس ميول الغالبية في سلوكياتهم أو اهتماماتهم أو تفاعلاتهم ضمن سياق اجتماعي أو ثقافي أو إعلامي معين. في سياق وسائل التواصل الاجتماعي، يشير “التريند” إلى الانتشار الواسع لموضوع معين، أو وسم (هاشتاج)، أو كلمة مفتاحية على منصة رقمية محددة، مما يعني أن هذا الموضوع يحظى بمستوى عالٍ من النقاش والتفاعل مقارنة بالمحتويات الأخرى.

يمكن أن تنشأ هذه الموضوعات الرائجة من مصادر متنوعة، بما في ذلك الأخبار الجارية، والفعاليات الثقافية، والمحتوى الرائج، والأعياد، والثقافة الشعبية، أو حتى الحملات الإلكترونية. قد تكون التريندات محصورة في مجتمع أو موقع أو سياق معين، أو قد تمتلك تأثيراً عالمياً، حسب مدى انتشار المنصة وتأثيرها.

تُعد المشاركة في الاتجاهات الرائجة استراتيجية فعالة يستخدمها المستخدمون، والمؤثرون، ومديرو حسابات وسائل التواصل الاجتماعي بهدف زيادة التفاعل وتوسيع نطاق الوصول إلى المحتوى، مستفيدين من الزخم الجماهيري الذي تولده هذه التريندات.

يعود الانتشار السريع للتريندات إلى دور خوارزميات وسائل التواصل الاجتماعي التي تبرز المحتوى عالي التفاعل، إلى جانب السلوك الجماعي للمستخدمين ورغبتهم في المشاركة. كما تسهم عوامل نفسية، مثل الخوف من تفويت الحدث، وبساطة المحتوى واعتماده على عناصر جذابة، في تسريع انتشاره، ليصبح التريند نتاج تفاعل تقني واجتماعي ونفسي متكامل.

التأثير المتزايد لوسائل التواصل الاجتماعي في تشكيل التريندات

مع بلوغ عدد مستخدمي الإنترنت حول العالم نحو 6.04 مليار شخص في أكتوبر 2025، أي ما يعادل 73.2% من سكان العالم، وارتفاع عدد مستخدمي وسائل التواصل الاجتماعي إلى 5.66 مليار شخص، بما يقارب 68.7% من إجمالي السكان، تزايد الدور المحوري لهذه المنصات في تشكيل المشهد الرقمي العالمي.

لقد تحولت وسائل التواصل الاجتماعي إلى مُضخِّم رئيسي للتريندات، حيث لم تعد الأفكار تحتاج إلى سنوات طويلة للانتشار، بل أصبحت تنتقل وتترسخ خلال ساعات أو أيام قليلة. أسهم هذا الانتشار السريع في زيادة تأثير التريندات على سلوك المستخدمين وتفاعلاتهم، مما جعلها عنصرًا فاعلًا في توجيه الاهتمامات العامة وصناعة الرأي العام في العصر الرقمي.

على الرغم من المنافسين الجدد، يظل فيسبوك أكبر منصة عالمية، متجاوزًا ثلاثة مليارات مستخدم نشط شهريًا. وتمتلك Meta Platforms أربعًا من أكبر منصات التواصل الاجتماعي، جميعها تضم أكثر من مليار مستخدم نشط شهريًا: فيسبوك، واتساب، ماسنجر، وإنستجرام.

بالإضافة إلى ذلك، تُظهر البيانات أنه في كل دقيقة، تُشاهد 140 مليون مقطع فيديو قصير، ويُرسل 3.3 مليون صورة عبر سناب شات، ويُرفع 16 ألف مقطع فيديو على تيك توك. وتتجاوز الصيحات العالمية مجرد التحميل والمشاركة والإعجاب على وسائل التواصل الاجتماعي، لتصبح هذه المنصات نفسها أحيانًا هي الصيحة العالمية.

تعتمد منصات التواصل الاجتماعي بشكل متزايد على خوارزميات متقدمة مدعومة بالذكاء الاصطناعي لتحديد المحتوى الذي قد يجذب اهتمام المستخدمين، بناءً على سجل تفاعلاتهم السابقة. وعندما يحقق محتوى معين مستويات عالية من التفاعل، تعمل الخوارزميات على تعزيز انتشاره بسرعة، مما يساهم في تحوله إلى تريند واسع الانتشار في وقت قصير.

تلعب “اللحظة الاجتماعية” والسياق الذي يظهر فيه التريند دورًا مهمًا في تحديد مدى انتشاره. فالموضوعات المرتبطة بأحداث رأي عام أو قضايا تشغل اهتمام الجمهور تتفاعل معها أعداد أكبر من المستخدمين، مما يعزز انتشارها بشكل أسرع. وأظهرت الدراسات أن السياق المجتمعي يؤثر مباشرة في فاعلية التريند ومدى تداوله.

دور المؤثرين والشركات في تشكيل التريندات

يُعد المؤثرون (Influencers) والشخصيات العامة على الإنترنت محركًا أساسيًا للتريندات، بفضل قدرتهم على تقديم محتوى قريب من اهتمامات متابعيهم. يشكل المؤثرون طريقة تفاعل الجمهور مع الثقافة الرقمية، ويزيدون من انتشار التريند بسرعة وفاعلية. كما تستفيد الشركات من التريندات ضمن استراتيجياتها التسويقية، إذ تقوم بإنشاء حملات إعلانية تستند إلى التريندات الشائعة لزيادة الانتباه إلى منتجاتها، مما يزداد انتشار التريند ويرفع معدلات التفاعل.

التأثيرات المتنوعة لتريندات وسائل التواصل الاجتماعي

لم تعد اتجاهات وسائل التواصل الاجتماعي مجرد ترفيه، بل أصبحت مؤشرات ثقافية ذات آثار متباينة على المجتمع. يمكن أن تسهم هذه التريندات إيجابيًا في نشر الوعي بالقضايا العامة وتسليط الضوء على مشكلات اجتماعية أو إنسانية بسرعة كبيرة، كما قد تعزز المشاركة المجتمعية وتمنح الأفراد مساحة للتعبير عن آرائهم.

في المقابل، قد تترتب على ذلك آثار سلبية تتمثل في انتشار المعلومات المضللة، وتكريس السطحية في النقاش العام، وتأجيج الجدل أو الاستقطاب المجتمعي، خاصة عندما يتم تداول المحتوى دون تحقق أو وعي نقدي. لذلك، يُعد تأثير التريندات على المجتمع مرتبطًا بمدى وعي المستخدمين وطبيعة المحتوى المتداول.

التريندات كأداة للوعي والتحديات المصاحبة

تُعد التريندات سلاحًا ذا حدين فيما يخص تأثيرها في الوعي العام. فمن ناحية، تبرز دورها في إتاحة مساحة أوسع لأصوات كانت مهمشة، حيث تمكنت حركات عالمية مثل “MeToo” و”BlackLivesMatter” من نشر الوعي الاجتماعي والسياسي بقضايا مكافحة التحرش والعنصرية وحقوق الإنسان، لتتحول الوسوم الرقمية إلى أدوات مؤثرة في نشر الوعي والتثقيف المجتمعي وتحفيز النقاش العام على نطاق عالمي.

إلا أن هذا الزخم قد يؤدي أحيانًا إلى تسطيح القضايا الجوهرية وتحويلها إلى ظواهر مؤقتة سرعان ما تخفت حدتها بمجرد انتقال الاهتمام إلى تريندات جديدة، مما قد يضعف من أثرها العميق والمستدام.

على صعيد آخر، ورغم ما توفره منصات التواصل الاجتماعي من مساحات واسعة لحرية التعبير والمشاركة في القضايا الرائجة، فإنها قد تُسهم في الوقت ذاته في تسريع وتيرة انتشار المعلومات المضللة، حيث قد يطغى الزخم التفاعلي للمحتوى الشائع على دقة الحقائق وموثوقية المعلومات.

تأثير التريندات على الهوية الشخصية والتعبيرات الثقافية

تؤثر التريندات في إدراك الناس لأنفسهم وللآخرين، حيث تكافئ منصات التواصل الاجتماعي من يواكبون آخر المستجدات، مما أدى إلى ظهور عقلية تزدهر بالمشاركة في الاتجاهات، سواء تعلق الأمر بالموضة، أو الأخبار، أو النشاط الاجتماعي، أو الفكاهة.

تتطور التعبيرات الثقافية، حيث قد تحل عبارة عامية رائجة على تيك توك محل عبارات عمرها عقود. ورغم أن هذا يشير إلى الإبداع، فإنه قد يفرق بين الأجيال، ويصبح سوء الفهم شائعًا عندما تتغير لغة التريندات بسرعة كبيرة.

يشهد العالم انفتاحًا على الثقافات المختلفة، ففي الماضي، كانت التريندات الثقافية غالبًا محلية، لكن وسائل التواصل الاجتماعي سمحت للتريندات بالانتقال عبر الحدود فورًا. سواء كانت موسيقى أو اتجاهات طعام، أصبح الجمهور العالمي يكتشف هذه العناصر الثقافية ويتبناها بمجرد التصفح على الهاتف. وأدى هذا التبادل غير المحدود للأفكار إلى اندماج الثقافات، مؤثرًا في كل شيء من اللغة إلى الموضة.

تأثير التريندات على السياسة والاقتصاد

على المستوى السياسي، أصبحت التريندات على الإنترنت قوة مؤثرة في القضايا السياسية، حيث يمكن أن تنطلق حملات على وسائل التواصل الاجتماعي لتتحول لاحقًا إلى حركات اجتماعية واسعة النطاق.

أما على المستوى الاقتصادي والتجاري، فقد أصبحت التوجهات الرائجة على منصات التواصل الاجتماعي من العوامل المحورية في تشكيل سلوك المستهلكين. تحرص الشركات على متابعة المحتوى الرائج وتحليل أنماط التفاعل به بهدف استشراف اهتمامات الجمهور وتوجيه استراتيجياتها التسويقية. وعند توظيف العلامات التجارية للتريندات بوعي ومدروسة، فإنها تعكس قدرتها على مواكبة التحولات الرقمية وفهم تطلعات جمهورها، مما يعزز مستويات التفاعل، ويعمق ارتباط المستهلكين بالعلامة التجارية. غالبًا ما يحقق المحتوى المرتبط بالتريندات معدلات تفاعل أعلى، ما يزيد من انتشار العلامة التجارية وتأثيرها الرقمي.

تريندات وسائل التواصل الاجتماعي في مصر: الواقع والتداعيات

شهدت مصر تطورًا ملحوظًا في البنية التحتية الرقمية، مع إطلاق خدمات الجيل الخامس (5G)، مما أتاح سرعات إنترنت فائقة. انعكس هذا التطور على مؤشرات الاستخدام، حيث بلغت نسبة انتشار الهاتف المحمول 109.58% في أكتوبر 2025، ووصل عدد الاشتراكات النشطة للإنترنت المحمول إلى نحو 91.78 مليون اشتراك. بلغت اشتراكات الإنترنت الثابت واسع النطاق نحو 12.5 مليون مشترك، بينما سجلت نسبة مستخدمي الإنترنت عبر المحمول 75.59% من إجمالي مشتركي المحمول، مما يعكس تنامي الاعتماد على الاتصال الرقمي ووسائل التواصل في الحياة اليومية.

مع ازدياد انتشار الإنترنت، ارتفع عدد مستخدمي وسائل التواصل الاجتماعي بشكل ملحوظ. ففي مطلع عام 2023، تجاوز عدد المستخدمين 46 مليون مستخدم، مقارنة بـ 16.6 مليون مستخدم قبل تسع سنوات. أصبحت التريندات جزءًا لا يتجزأ من الحياة الرقمية اليومية، مؤثرة بشكل كبير في سلوك الأفراد والقيم الاجتماعية والثقافية.

لم تعد ظاهرة التريندات الرقمية مجرد موضوعات عابرة، بل أصبحت تؤثر في اهتمامات الشباب واتجاهاتهم، وقد تلعب دورًا في تشكيل الرأي العام، سواء من خلال التأثير في القضايا المجتمعية أو عبر تشجيع الانخراط في النقاشات الرقمية. على سبيل المثال، كان افتتاح المتحف المصري الكبير في نوفمبر 2025 واستخدام الذكاء الاصطناعي في الصور الفرعونية من أبرز التريندات الثقافية التي أثرت في اهتمامات الشباب والشارع، وعبرت عن الفخر بالهوية المصرية. ولكن في المقابل، كان هناك الكثير من التريندات التي أثرت بالسلب وعملت على انتشار محتوى سطحي، أو عنف، أو نشر أخبار زائفة وشائعات.

جهود مواجهة الآثار السلبية للتريندات

في ظل توالي التريندات وتنامي تأثيرها، توجد جهود مؤسسية واجتهادات فردية لتلافي أي آثار سلبية لهذه الظاهرة على الوعي العام. من هذه الجهود:

  • إطلاق الأزهر حملة توعية عالمية تحت عنوان “فتبينوا” للتوعية بخطورة الشائعات.
  • إطلاق حملة بالتعاون بين وزارة الاتصالات واليونيسف والمجلس القومي للطفولة والأمومة تحت عنوان “بأمان” لحماية الأطفال على الإنترنت.
  • إعداد وزارة التعليم العالي والبحث العلمي محتوى علمي لتوعية طلاب الجامعات بخطورة المحتويات الضارة لشبكة الإنترنت ومواقع التواصل الاجتماعي، ويتم تدريسه ضمن مقرر “قضايا المجتمع”.

نظرة مستقبلية: الوعي والمسؤولية الرقمية في التعامل مع التريندات

تُعد التريندات على الإنترنت ظاهرة رئيسية في المجتمع الرقمي، ولها العديد من الفوائد، مثل تعزيز الوعي بالقضايا الاجتماعية أو تسهيل التواصل بين الثقافات المختلفة. ومع ذلك، توجد تحديات تتعلق بتأثيرها في فهم القضايا العميقة أو تصدير أفكار سطحية.

مع قوة تأثيرها وسرعة انتشارها، يكتسب الوعي أهمية قصوى في التعامل مع التريندات. من الضروري أن يكون المستخدمون على دراية بأن هذه التريندات ليست مجرد محتوى ممتع أو مضحك، بل قد تحمل رسائل اجتماعية وسياسية واقتصادية يمكن أن تؤثر في حياتهم وقراراتهم.

عليه، يجب التمتع بالمسؤولية الرقمية، والتحقق من المعلومات قبل المشاركة، وموازنة التفاعل مع المحتوى الرائج بما يحفظ الصحة النفسية ويعزز القيم الإيجابية. إن التعامل الواعي مع التريندات يمكن أن يحوّل هذه الظاهرة من مجرد موضة مؤقتة إلى أداة للتثقيف، والإبداع، والنقاش البنّاء في المجتمع الرقمي.

شاركها.