Published On 21/2/2026
|
آخر تحديث: 14:50 (توقيت مكة)
لم يكن حكم المحكمة العليا الأمريكية بإبطال معظم الرسوم الجمركية التي فرضها الرئيس دونالد ترمب مجرد قرار قانوني بشأن الرسوم الجمركية، بل كان لحظة اختبار حقيقية لحدود السلطة التنفيذية في الولايات المتحدة. وأوضحت المحكمة أن القوانين التي استند إليها البيت الأبيض لا تمنح الرئيس سلطة واسعة لفرض مثل هذه الضرائب دون موافقة واضحة من الكونغرس.
وتناولت التغطية الإعلامية الواسعة في الصحف الأمريكية والبريطانية الحدث، مركزة ليس فقط على الأثر الاقتصادي لإلغاء الرسوم، بل قراءته بوصفه مواجهة مباشرة بين رؤية رئاسية توسعية ونظام دستوري يقوم على الضوابط والتوازنات. فالقارئ لهذه الصحف سيجد أنها تناولت بشكل واسع توضيح الحكم، وما يمثله اقتصاديا وسياسيا لترمب، ونتائجه المباشرة على تقييد طموحات الرئيس لتوسيع سلطاته على حساب السلطات الأخرى.
اقرأ أيضا
list of 2 itemsend of list
وبينما اعتبر منتقدو ترمب قرار المحكمة العليا انتصارا لسيادة القانون، رآه أنصاره تقويضا لقدرة الولايات المتحدة على خوض معاركها التجارية في عالم مضطرب. ولا يُنظر إلى هذا الحكم في واشنطن بوصفه نزاعا تجاريا فحسب، بل حلقة جديدة في سلسلة الصراع المزمن حول حدود السلطة التنفيذية، وهو ما جعل عددا من رجال القانون يقارنون قرار المحكمة الحالي بقرارها التاريخي عام 1952 في قضية استيلاء الرئيس هاري ترومان على مصانع الصلب.
ففي كلتا الحالتين، حاول رئيس أمريكي توسيع صلاحياته استنادا إلى ضرورات اقتصادية أو أمنية، لتأتي المحكمة وتؤكد أن الاستثناء لا يمكن أن يتحول إلى قاعدة، وأن إعلان الطوارئ لا يعفي السلطة التنفيذية من العودة إلى الكونغرس عندما يتعلق الأمر بفرض أعباء مالية واسعة على الاقتصاد.
ضربة قوية لمفهوم السلطة التنفيذية
قالت صحيفة فايننشال تايمز البريطانية إن هذا الحكم يُعد ضربة قوية لمفهوم السلطة التنفيذية غير المحدودة في السياسة الاقتصادية، ويُبرز أن القرارات الاقتصادية الكبرى مثل فرض الرسوم الجمركية لا يمكن أن تكون مجرد اختيار تنفيذي، بل تحتاج إلى تفويض صريح من الكونغرس. ويأتي هذا القرار في وقت حساس سياسيا، حيث كان ترمب يعتزم توسيع نطاق هذه الرسوم، وجعل منها حجر الزاوية في أجندته “أمريكا أولا”، بحجة أنها ستحمي الوظائف المحلية وتوفر نفوذا في المفاوضات التجارية.
وقد جمعت الحكومة نحو 134 مليار دولار من هذه الرسوم حتى منتصف ديسمبر/كانون الأول الماضي، مما يفتح الباب أمام نزاعات قانونية حول استرداد هذه الأموال. وأشارت بعض الصحف إلى أن قرار إلغاء الرسوم يثير أسئلة حول ما إذا كانت الولايات المتحدة قد تكون مضطرة إلى إعادة مبالغ كبيرة جُمعت من تلك الرسوم إلى الشركات والمستهلكين المتضررين.
تأكيد مبادئ الضوابط والتوازنات
ووصف كثير من المعلقين هذا الحكم بأنه يؤكد صمود نظام “الضوابط والتوازنات” والفصل بين السلطات، إذ أثبت أن الرئيس الأمريكي، رغم تركيزه على السلطة التنفيذية، لا يمكنه الحكم دون قيود؛ حيث تصدت له المحكمة لتؤكد أن صلاحيات الطوارئ لها حدود قانونية لا يمكن تجاوزها. ومن بين النتائج الفورية للحكم تقليص نفوذ “صندوق أدوات” ترمب، إذ فقد أقوى أسلحته التفاوضية مع الدول الأخرى، وأصبح مضطرا إلى اللجوء إلى قوانين بديلة تمنحه هوامش مناورة ضيقة جدا ولفترات زمنية قصيرة، مما يضعف موقفه أمام القوى الدولية كالصين وكندا.
نكسة معنوية وسياسية لإلغاء الرسوم
في هذا المعنى، قالت صحيفة تايمز البريطانية إن هذا الحكم يمثل رسالة سياسية قبيل الانتخابات التكميلية المقبلة، ويُعتبر نكسة معنوية وسياسية لترمب، حيث يكسر صورة القائد الذي يفرض إرادته بالقوة، ويفتح الباب أمام الخصوم للمطالبة بتعويضات للمتضررين مما وصفوه بـ”الضرائب غير القانونية”. وحذر خبراء من أن إلغاء الرسوم قد يؤدي إلى “فوضى” لوجستية وقانونية، حيث تصطف الشركات للمطالبة باسترداد مبالغ قد تتجاوز 100 مليار دولار، في حين لم تقدم المحكمة العليا توضيحا حول كيفية إدارة عملية استرداد هذه الأموال. وذكرت صحيفة نيويورك تايمز أن هذا الحكم كان متوقعا نظرا لشكوك القضاة في ادعاء الإدارة بأن الرئيس يمكنه فرض رسوم على أي دولة لأي سبب ولأي مدة، لكن التساؤل ظل قائما حول رغبة المحكمة في كبح جماح ترمب.
وترى نيويورك تايمز أيضا أن الحكم سيقلص بشكل كبير قدرة الرئيس على إثارة “الفوضى الاقتصادية” لاعتماده الآن على قوانين أكثر تقييدا، واعتبرت الصحيفة وكذلك كل الصحف أن الحكم ينتصر لسيادة القانون. وستجعل القيود الجديدة من الصعب على ترمب استخدام الرسوم “هراوة” ضد الدول الأخرى لانتزاع تنازلات، حيث تتطلب القوانين البديلة إجراءات وتحقيقات مطولة تجعل من الصعب فرضها أو إلغاءها بقرار لحظي.
مأزق سياسي والبحث عن بدائل
كذلك، نجد أن الحكم وضع ترمب في مأزق سياسي، وتركه أمام خيار صعب؛ فإما التراجع عن وعوده الانتخابية التي وصفت الرسوم بأنها “أجمل كلمة في القاموس”، أو خوض معركة شاقة في الكونغرس للحصول على موافقات تشريعية، وهو أمر غير مضمون النتائج في ظل الانقسام الجمهوري والقلق من تضرر المستهلك الأمريكي. لذلك، انتقد ترمب الحكم على الفور ووصفه بأنه “قرار سياسي” يضعف قدرة البلاد على المنافسة عالميا، متعهدا بإيجاد سبل بديلة لمواصلة سياساته الحمائية، كما وصف القضاة الذين حكموا ضده بأنهم “غير وطنيين للغاية” و”حمقى”.
ردود فعل وتداعيات الحكم
وعلقت صحيفة وول ستريت جورنال على رد ترمب على الحكم قائلة إن الرئيس أهان نفسه وهو يشن هجوما على المحكمة العليا، وأنه مدين للمحكمة باعتذار، سواء للقضاة الذين شهّر بهم أو للمؤسسة ذاتها. وبينما تنشغل الشركات بحساب كلفة الاسترداد المحتملة، وتبحث الإدارة عن مخارج قانونية بديلة، يبدو أن الحكم يتجاوز ملف الرسوم الجمركية ليعيد طرح سؤال قديم في السياسة الأمريكية: إلى أي مدى يمكن للرئيس أن يحكم عبر أدوات الطوارئ؟
وفي ظل انقسام سياسي حاد واقتراب استحقاقات انتخابية حساسة، قد يتحول هذا الحكم من معركة قانونية إلى محطة فاصلة في إعادة تعريف العلاقة بين البيت الأبيض والكونغرس، وربما في رسم حدود المرحلة المقبلة من رئاسة ترمب. وتتجه الأنظار الآن نحو الخطوات التي ستتخذها الإدارة الأمريكية للتعامل مع هذا الوضع الجديد، والمسار الذي ستسلكه المفاوضات التجارية المستقبلية.
المصدر: الجزيرة + الصحافة الأميركية + الصحافة البريطانية






