أثارت خطوة الحكومة المغربية بمراجعة نظام تسعير الأدوية جدلاً واسعاً في الشارع وبين المهنيين، إذ أعلن المجلس المصادقة على مشروع مرسوم يهدف إلى خفض كلفة العلاج وتحسين استدامة التأمين الإجباري عن المرض في 9 أغسطس 2026. يعد ملف تسعير الأدوية في المغرب محور نقاش مركزي بين مطلب تخفيف العبء المالي على المواطن ومخاوف فقدان أصناف دوائية أساسية.
بحسب مصادر رسمية ومهنيين في القطاع، لا تقتصر القضية على تعديل الأسعار فحسب، بل ترتبط أيضاً بأزمة توفر بعض الأصناف ونسب ربح الصيدليات وقدرة أنظمة التغطية الصحية على تحمل تكاليف الخفض. في المقابل، أعلنت الحكومة عن إحداث منظومة معلوماتية صحية وطنية مدمجة لتسريع رقمنة القطاع وتحسين تبادل البيانات.
تسعير الأدوية في المغرب: خلفية وتطورات حديثة
يخضع تحديد أسعار الأدوية في المغرب لآليات رسمية تشرف عليها وزارة الصحة ووزارة المالية قبل نشرها في الجريدة الرسمية، ولا يمكن للصيدلي تعديل السعر المعتمد. لذلك يأتي مشروع المرسوم كجزء من جهود متواصلة تهدف إلى خفض كلفة العلاج، بحسب ما أفادت به الجهات الحكومية.
مع ذلك، تشير المعلومات المتاحة إلى أن تخفيض الأسعار سابقاً شمل أصنافا محددة، بينما بقيت أدوية الأمراض المزمنة والسرطان باهظة الثمن نسبياً مقارنة بالقدرة الشرائية للمغاربة وببعض الدول المجاورة مثل تونس ومصر. لذلك يطرح السؤال عن كيفية تحقيق خفض فعال دون الإضرار بتوفر الدواء.
أسباب الجدل وتأثيره على توفر الأدوية
يتهم مهنيون وصيادلة سياسات خفض الأسعار غير المدروسة بأنها قد تدفع الشركات المصنعة إلى وقف إنتاج أصناف منخفضة السعر لأن هامش الربح لا يكفي لتغطية التكاليف. فعندما يصبح إنتاج دواء ثمنه 10 أو 20 أو 30 درهما غير مجدٍ اقتصادياً، قد يؤدي ذلك إلى نقص الأدوية في الصيدليات.
من ناحية أخرى، يشير خبراء إلى أن جزءاً من النقص مرتبط بسلاسل التوريد العالمية وارتفاع تكاليف المواد الخام، وليس التسعير المحلي فقط. لذلك، تتطلب الحلول تدخلاً متوازناً يأخذ بعين الاعتبار كل عناصر السلسلة الإنتاجية والتوزيع.
تداعيات على الصيدليات والتغطية الصحية
يحذر اتحاد الصيادلة من أن خفض الأسعار سيؤثر مباشرة على هامش ربح الصيدليات، الذي يرتبط بقيمة الأدوية المباعة، مما قد يفاقم الأزمة المالية لبعض الصيدليات. بحسب تقارير مهنية، تواجه ما بين 30 و40% من الصيدليات صعوبات مالية قد تؤدي ببعضها إلى الإغلاق إذا استمرت الضغوط.
في الوقت نفسه، يزداد العبء على أنظمة التغطية الصحية إذا لم تُعدّل آليات تعويض الصيدليات والشركات المنتجة، ما قد يضع الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي وأنظمة التأمين الإجباري عن المرض أمام اختيارات صعبة بين استدامة التغطية وضمان توفر الأدوية.
شهادات واقعية توضح الأثر على المرضى
تتوالى شهادات مواطنين واجهوا صعوبة في العثور على أدوية أساسية أو اضطروا لاستيرادها من الخارج بتكاليف أكبر وانتظار أطول. يروي مواطن أن زوجته المصابة بالسرطان عانت من نقص دواء مهم واضطر لطلبه من أوروبا، حيث وجد الفارق الكبير في السعر مترافقاً مع تأخر في الوصول.
علاوة على ذلك، تكشف شكاوى مرضى الأمراض المزمنة عن معاناة مستمرة عند غياب الأدوية محلياً أو لارتفاع تكلفتها، مما يعرض استمرارية العلاج للخطر ويؤثر على جودة الحياة لدى الفئات الأكثر هشاشة.
كيف يمكن تحقيق توازن بين تخفيف العبء وضمان التوفر
يقترح مهنيون وسلطات صحية عدة مسارات لإصلاح منظومة تسعير الأدوية في المغرب دون الإضرار بتوفرها، من بينها استهداف التخفيضات للأدوية المستوردة والباهظة الثمن عوض خفض أسعار أصناف منخفضة التكلفة التي تستهلك بكثافة. بالإضافة إلى ذلك، تدعو الأطراف إلى اعتماد دراسات تأثير شاملة قبل إقرار أي تعديل.
كما يوصون بتسهيل الحوافز المحلية لإنتاج أصناف منخفضة التكلفة ودعم سلاسل الإمداد، وتحديث آليات التعويض في أنظمة التغطية الصحية لضمان استقرار مالي للصيدليات وعدم انقطاع الإمدادات الدوائية.
الخطوات القادمة وما الذي يجب مراقبته
صادقت الحكومة مؤخراً على مشروع مرسوم لمراجعة نظام تحديد الأسعار، ومن المتوقع نشر التفاصيل في الجريدة الرسمية وتحديد إجراءات تطبيقية لاحقة، بحسب المصادر الرسمية. كما يتعين متابعة نتائج الدراسات التأثيرية التي أكدت ضرورة إجرائها قبل اتخاذ قرارات نهائية.
على المستوى العملي، سيُراقب المواطنون أداء منظومة المعلومات الصحية الوطنية المدمجة التي أُقرت بهدف تحسين تبادل البيانات وتسهيل رقمنة القطاع، لأن نجاحها قد يسهم في تقليص الفجوات اللوجستية وتحسين توفر الأدوية.
خلاصة وتوقعات
يبقى ملف تسعير الأدوية في المغرب تحدياً يتطلب موازنة دقيقة بين قدرة المواطنين الشرائية واستدامة القطاع الصحي وتوافر الأدوية في الصيدليات. لذلك، ينبغي أن تقوم أي سياسة جديدة على دراسات تأهيلية ومقترحات داعمة للصناعة المحلية وأنظمة التغطية الصحية.
من المنتظر أن تكشف الأيام المقبلة عن تفاصيل المشروع والمواعيد التنفيذية، وسيكون مؤشراً مهماً متابعة مدى تأثر توفر الأدوية ومشروعية الحلول المقترحة في حماية المواطنين والصيادلة على حد سواء.






