كشفت تحقيقات حديثة في نيبال عن عملية احتيال تأمين ضخمة تقدر بنحو 20 مليون دولار، تورط فيها مرشدون جبليون بتدبير عمليات إنقاذ جبلية مزيفة أو مفتعلة، بل وصل الأمر إلى تسميم طعام بعض المتسلقين بالقرب من جبل إيفرست، وفقًا لتقرير نشرته صحيفة “ذا كاتماندو بوست”. وتعد عمليات الاحتيال هذه تهديدًا لسمعة نيبال كوجهة سياحية للمغامرات الجبلية، وتثير تساؤلات حول نزاهة إجراءات السلامة والإنقاذ.

احتيال ضخم في عمليات الإنقاذ الجبلي بنيبال

أدت تفاصيل صادمة حول عمليات احتيال في مجال الإنقاذ الجبلي في نيبال إلى فتح تحقيق موسع. حيث تم الكشف عن شبكة منظمة استغلت عمليات الإنقاذ الوهمية لتحقيق مكاسب مالية غير مشروعة، مخلفة وراءها أضرارًا جسيمة للقطاع السياحي وللسمعة الدولية للبلاد. وتعد هذه القضية من أكبر عمليات الاحتيال المالي التي شهدتها المنطقة.

تفاصيل عملية الاحتيال

تشير التحقيقات التي أجراها مكتب التحقيقات المركزي (CIB) التابع لشرطة نيبال إلى وجود سيناريوهين رئيسيين للاحتيال. الأول يتضمن إقناع المرشدين للمغامرين المتعبين الذين لا يرغبون في العودة إلى الأسفل، بتظاهرهم بالمرض ليتم نقلهم بواسطة طائرات مروحية. هذا الأسلوب يستغل رغبة المتسلقين في تجنب مشقة العودة.

أما السيناريو الآخر، فيشمل قيام المرشدين وموظفي الفنادق بتخويف الرحالة عند المرتفعات العالية، مدعين أنهم في خطر الموت بسبب أعراض مرض المرتفعات، وأن الإجلاء الفوري هو السبيل الوحيد لإنقاذ حياتهم. هذه التكتيكات تستغل خوف السياح وضعفهم بسبب الارتفاع.

في بعض الحالات، اكتشف المحققون أن أقراص “دياموكس” (أسيتالاميد)، المستخدمة للوقاية من مرض المرتفعات، تم إعطاؤها مع كميات مياه مفرطة لإحداث أعراض تبرر عملية الإنقاذ. بل وفي إحدى الحالات الموثقة، قام المرشدون بتسميم طعام المتسلقين بمسحوق الخبز لإحداث شعورهم بالمرض.

آلية عمل الشبكة الإجرامية

تعمل هذه الشبكة الإجرامية من خلال نظام معقد. تسربت تفاصيل هذه العلاقة في استجوابات الشرطة، حيث أشارت تقارير إلى أن المستشفيات تدفع نسبة تتراوح بين 20% و25% من أموال التأمين لشركات الرحلات، ونسبة تتراوح بين 20% و25% لمشغلي الطائرات المروحية مقابل إحالة المرضى. هذا النظام يضمن تدفق “العملاء” ووفرة في عمليات الإنقاذ.

تستفيد شركات الرحلات من فواتير مبالغ فيها، وفي بعض الأحيان، يتم عرض أموال على السياح للانضمام إلى هذه المؤامرة. هذا يزيد من حجم الاحتيال ويطمس الخطوط الفاصلة بين الدوافع الحقيقية والمصطنعة.

الأرقام الصادمة والجهات المتورطة

بين عامي 2022 و2025، اكتشف المحققون خدمة 4,782 مريضًا أجنبيًا في مستشفيات متورطة، مع تأكيد 171 حالة لها علاقة بعمليات إنقاذ احتيالية. خلال هذه الفترة، جمع مستشفى “إيرا إنترناشونال” (Era International Hospital) أكثر من 15.87 مليون دولار من الودائع لهذه الأنشطة، بينما حصل مستشفى “شريضي إنترناشونال” (Shreedhi International Hospital) على أكثر من 1.22 مليون دولار.

من جهة أخرى، نفذت شركة “ماونتن ريسكيو سيرفيس” (Mountain Rescue Service) 171 عملية إنقاذ وهمية من أصل 1,248 رحلة مروحية، وحصلت على حوالي 10.31 مليون دولار من شركات التأمين. وأجرت خدمة “نيبال تشارتر سيرفيس” (Nepal Charter Service) 75 عملية إنقاذ وهمية من أصل 471 رحلة، وطالبت بمبلغ 8.2 مليون دولار. كما ترتبط شركة “إيفرست إكسبيرينس آند أسيسنتنس” (Everest Experience and Assistance) بما لا يقل عن 71 عملية إنقاذ مشبوهة من أصل 601 رحلة، بمطالبات بلغت 11.04 مليون دولار.

التحقيق والإجراءات القانونية

في الشهر الماضي، وجه مكتب التحقيقات المركزي (CIB) اتهامات لـ 32 شخصًا بقضايا تتعلق بجرائم ضد الدولة والجريمة المنظمة. واعتقل تسعة أشخاص، بينما لا يزال الآخرون هاربين. وشمل المتهمون أفرادًا من شركات طيران مثل “ماونتن هليكوبترز” (Mountain Helicopters)، و”ألتيتيود إير” (Altitude Air)، و”مانانج إير” (Manang Air) التي أعيد تسميتها إلى “بيسكامب هليكوبترز” (Basecamp Helicopters)، بالإضافة إلى أطباء وإداريين من مستشفيات مثل “سواكون إنترناشونال” (Swacon International Hospital)، و”شريضي إنترناشونال” (Shreedhi International Hospital)، و”إيرا إنترناشونال” (Era International Hospital).

نظرة مستقبلية

تتجه الأنظار الآن إلى الخطوات التي ستتخذها السلطات النيبالية لمعالجة هذه المشكلة المستشرية. من المتوقع أن تضع هذه التحقيقات ضغوطًا إضافية على الحكومة لتعزيز الرقابة على شركات الرحلات وشركات الإنقاذ، ووضع آليات أكثر صرامة لمنع تكرار مثل هذه الأحداث. سيعتمد مستقبل السياحة الجبلية والأمن في نيبال على مدى فعالية الإجراءات التي سيتم تطبيقها.

شاركها.