حين يقول أكبر بنوك وول ستريت إن السوق «تُقلّل من التقدير»، فالرسالة موجهة إلى من يبني قراراته على توقعات سائدة قد لا تتحقق. وهذا ما فعله استراتيجيون في «بنك أوف أميركا» حين حذّروا من أن يرفع الاحتياطي الفيدرالي الأميركي سعر الفائدة الرئيسي إلى أكثر من 5%، في تكرار لسيناريو دورة التشديد بين 2022 و2023.

الرهان: عوائد السندات لأجل عامين

قال فريق يضم مارك كابانا وميغان سويبر إن سوق أسعار الفائدة ما زالت تُقلّل من تقدير المستوى الذي ستصل إليه الفائدة في نهاية دورة الرفع التي بدأها المركزي هذا الأسبوع، وحثّ الفريق العملاء على اتخاذ مراكز تستفيد من ارتفاع عوائد سندات الخزانة لأجل عامين. ويتوقعون ارتفاع هذه العوائد إلى 5% خلال العام الجاري من نحو 4.7% اليوم، وهي رؤية تخالف توقعات السوق السائدة.

ماذا تقول العقود مقابل ما يقوله البنك؟

الجهة التوقع
عقود المقايضات 3 زيادات إضافية بربع نقطة، ما يرفع السعر الفعلي إلى نطاق 4.5%–4.75%
استراتيجيو بنك أوف أميركا احتمال العودة إلى مستويات دورة 2022–2023 حين بلغ النطاق المستهدف 5.5%
اقتصاديو بنك أوف أميركا رفعان إضافيان هذا العام في أكتوبر وديسمبر، دون أي إجراء في 2027
قاعدة تايلور سعر فائدة مقترح عند نحو 5.3%

 

ويجدر التوضيح أن الاستراتيجيين المسؤولين عن تغطية سوق السندات وتحديد فرص التداول فريق منفصل عن خبراء الاقتصاد في البنك الذين يركزون على المركزي، ما يفسّر التباين بين الرقمين.

لماذا يرجّحون استمرار التشديد؟

يستند التحليل إلى قراءة لموقف صانع القرار نفسه. فقد قال الفريق إن تصريحات رئيس الاحتياطي الفيدرالي كيفن وارش بأن رفع الفائدة هذا الأسبوع أزال «قدراً من التيسير» تشير إلى أن المسؤولين لا يرون حتى الآن أن السياسة النقدية تعرقل الاقتصاد الأميركي. وكتبوا في مذكرة للعملاء: «من المرجح أن يواصل الاحتياطي الفيدرالي، الذي لا يرى أن سياسته متشددة، رفع أسعار الفائدة إلى أن تصبح الأوضاع المالية متشددة، ما يعزز قناعتنا بأن منحنى العائد سيصبح أكثر تسطحاً».

ورغم حرص وارش على عدم الالتزام بأي خطوة مستقبلية، فإنه جدّد عدم رضاه عن مسار التضخم وشدد على التزام البنك المركزي باستقرار الأسعار.

منحنى العائد يتسطح

أصبح منحنى العائد الأميركي أكثر تسطحاً خلال الجلسات الأخيرة، إذ ارتفعت عوائد السندات الأقصر أجلاً بوتيرة أسرع من عوائد السندات الأطول أجلاً، مع زيادة المتعاملين رهاناتهم على مزيد من الرفع. وهذا التفاوت هو جوهر ما يعنيه تحرك اسعار الفائدة بالنسبة للمستثمر: الأثر لا يتوزع بالتساوي على آجال الاستحقاق. وقال الاستراتيجيون: «في حين يمكن أن تواصل عوائد الآجال القصيرة الارتفاع، فإننا نتوقع انتقالاً محدوداً بدرجة أكبر لهذا الارتفاع إلى الآجال الأطول»، مع توقعهم أن ينهي عائد سندات الخزانة لأجل عشر سنوات العام عند 5%، قريباً من مستوى تداوله الاثنين الماضي.

ماذا يقول الفيدرالي عن مخاطره؟

أشار الاستراتيجيون إلى أحدث «ملخص للتوقعات الاقتصادية» الصادر عن الاحتياطي الفيدرالي، والذي أظهر أن المسؤولين يرون أن مخاطر ارتفاع التضخم أكبر بكثير من مخاطر ارتفاع البطالة. كما استشهدوا بأحد مقاييس قاعدة تايلور — وهي معادلة مستخدمة على نطاق واسع تحدد مستوى مقترحاً للفائدة استناداً إلى مقدار انحراف التضخم والناتج الاقتصادي عن مستوياتهما المستهدفة — والذي يشير إلى أن سعر الفائدة على الأموال الفيدرالية ينبغي أن يبلغ نحو 5.3%. وخلصوا في المذكرة إلى أن «الأطر البسيطة تُشير إلى أن سعر الفائدة على الأموال الفيدرالية ينبغي أن يتجاوز 5%».

ماذا يعني ذلك عملياً؟

الفارق بين سقف عند 4.75% وآخر يتجاوز 5% ليس تفصيلاً فنياً؛ فهو يغيّر تسعير القروض والسندات والأسهم معاً. فحين يتسطح منحنى العائد، تصبح الأدوات قصيرة الأجل أكثر جاذبية نسبياً مقارنة بالطويلة، وهو ما يفسّر توصية الاستراتيجيين باتخاذ مراكز تستفيد من ارتفاع عوائد أجل العامين تحديداً بدل الرهان على الآجال العشرية.

كما أن رسالة «الأوضاع المالية لم تتشدد بعد» تعني ضمناً أن دورة الرفع قد تطول أكثر مما تسعّره السوق حالياً. ومن يتابع هذا المسار من خارج الولايات المتحدة معنيّ به أيضاً، إذ ينتقل أثر الفائدة الأميركية إلى تكاليف الاقتراض عالمياً وإلى قرارات البنوك المركزية المرتبطة عملاتها بالدولار.

في الختام

الخلاصة أن الخلاف ليس على اتجاه السياسة بل على مداها: الجميع يتوقع مزيداً من الرفع، والسؤال هو أين تتوقف الدورة. ومن يبني قراراته على سقف 4.75% قد يجد نفسه أمام واقع مختلف إذا صحّت قراءة قاعدة تايلور. نصيحة عملية: إن كنت تدير التزامات بفائدة متغيرة، احسب أثر نقطة مئوية إضافية على تدفقاتك النقدية قبل أن تحدث، لا بعدها. فهل حسبت هذا السيناريو في ميزانيتك؟

شاركها.