من المتوقع أن ترفض فرنسا اتفاقية ميركوسور في تصويت بين الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي، بعد أشهر من الجهود التي بذلتها باريس لبناء أغلبية مانعة ضد هذا الاتفاق المثير للجدل. يمثل هذا التصويت لحظة حاسمة في مستقبل اتفاقية ميركوسور، التي تهدف إلى إنشاء منطقة تجارة حرة بين الاتحاد الأوروبي ودول أمريكا الجنوبية. إذا سارت الأمور على ما تشير إليه التوقعات، ودعمت إيطاليا الاتفاقية، فسيكون ذلك هزيمة دبلوماسية كبيرة للرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون.
أعلن ماكرون عبر منصة “إكس” أن فرنسا ستصوت ضد توقيع الاتفاقية بين الاتحاد الأوروبي ودول ميركوسور. وأكد أن الاتفاقية تمثل “صفقة من حقبة أخرى”، تم التفاوض عليها لفترة طويلة جدًا على أسس قديمة. وأضاف أن الفوائد الاقتصادية لن تكون كبيرة على النمو الفرنسي والأوروبي، ولا تبرر تعريض القطاعات الزراعية الحساسة للخطر، وهي ضرورية للأمن الغذائي الأوروبي.
فشل باريس في حشد أغلبية مانعة حول اتفاقية ميركوسور
تم التوصل إلى اتفاقية ميركوسور في ديسمبر 2024 من قبل رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين، مع الأرجنتين والبرازيل وباراغواي والأوروغواي. تهدف الاتفاقية إلى إنشاء منطقة تجارة حرة تضم حوالي 700 مليون شخص عبر المحيط الأطلسي بعد أكثر من 25 عامًا من المفاوضات.
عارضت فرنسا الاتفاقية في كل مرحلة، معربة عن قلقها بشأن المنافسة غير العادلة من الواردات اللاتينية، وتعرضها لضغوط داخلية من المزارعين. وقد طالبت الحكومة الفرنسية بإعادة النظر في شروط الاتفاقية لحماية المصالح الزراعية الأوروبية.
في خضم التوترات الاقتصادية الجيوسياسية المتزايدة، دافع المؤيدون، بقيادة ألمانيا وإسبانيا، عن التوقيع السريع لفتح أسواق تصدير جديدة. ويرى هؤلاء أن الاتفاقية ستعزز الروابط الاقتصادية بين أوروبا وأمريكا اللاتينية، وتخلق فرصًا جديدة للشركات والمستهلكين.
تم تأجيل التوقيع بعد قمة للاتحاد الأوروبي الشهر الماضي، بعد أن أعربت إيطاليا وفرنسا عن تحفظاتهما. واقترحت المفوضية أن هذه القضايا يمكن معالجتها وأن التوقيع سيتم في يناير.
كثفت باريس جهودها في الأسابيع الأخيرة لتجميع أغلبية مانعة، وحصلت على دعم من بولندا والمجر وأيرلندا وربما النمسا. لكن موقف إيطاليا ظل حاسمًا قبل تصويت يوم الجمعة في اجتماع لسفراء الاتحاد الأوروبي في بروكسل. التعاون الاقتصادي مع دول أمريكا اللاتينية يعتبر من القضايا الهامة التي تثير الجدل.
بعد سلسلة من التنازلات من المفوضية الأوروبية، بما في ذلك تعزيز الضمانات لمراقبة اضطرابات السوق وتقديم مدفوعات نقدية مبكرة للمزارعين، يبدو أن إيطاليا قد أبدت استعدادًا لدعم الاتفاقية.
إذا أيدت أغلبية مؤهلة الاتفاقية، فسيكون هذا هو المرة الأولى التي يتم فيها التصويت على فرنسا في المجلس، الذي يمثل الدول الأعضاء في بروكسل. ويعتبر هذا بمثابة ضربة أخرى للرئيس ماكرون في ظل الأزمة السياسية العميقة التي يواجهها في الداخل.
تداعيات محتملة على العلاقات التجارية
قد يؤدي رفض فرنسا لـاتفاقية ميركوسور إلى توترات في العلاقات التجارية بين الاتحاد الأوروبي ودول أمريكا الجنوبية، وخاصة البرازيل والأرجنتين. قد تسعى هذه الدول إلى تعزيز علاقاتها التجارية مع قوى اقتصادية أخرى، مثل الصين.
بالإضافة إلى ذلك، قد يعيق هذا الرفض جهود الاتحاد الأوروبي لتعزيز نفوذه الاقتصادي في أمريكا اللاتينية. ويرى البعض أن الاتفاقية تمثل فرصة لتعزيز القيم الديمقراطية وحقوق الإنسان في المنطقة.
من ناحية أخرى، يرى المدافعون عن موقف فرنسا أن الاتفاقية قد تضر بالزراعة الأوروبية وتؤدي إلى خسائر في الوظائف. ويؤكدون على أهمية حماية الأمن الغذائي الأوروبي وضمان قدرة المزارعين على المنافسة في السوق العالمية. السياسة الزراعية الأوروبية هي محور أساسي في هذه المناقشات.
من المرجح أن تشهد الأيام القليلة المقبلة مزيدًا من المشاورات الدبلوماسية بين الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي. من المتوقع أن يعقد المجلس اجتماعًا رسميًا في الأسبوع المقبل لمناقشة نتائج التصويت واتخاذ قرار بشأن الخطوات التالية. سيكون من المهم مراقبة رد فعل دول ميركوسور على هذا الموقف، وكذلك التطورات في الأزمة السياسية الفرنسية.
في حين أن إمكانية إبرام اتفاقية تجارية شاملة في المستقبل القريب تبدو غير مؤكدة، فإن المفاوضات حول جوانب محددة من التعاون التجاري قد تستمر. ومن المحتمل أن يركز الاتحاد الأوروبي على إيجاد حلول وسط تلبي مصالح جميع الأطراف المعنية.






