مع تزايد القوات الأمريكية في الشرق الأوسط وسط تصاعد التوترات مع إيران، يسلط بناء القدرات العسكرية الأمريكية الضوء على أوجه تشابه مع حشد القوات في عام 2003 قبل حرب العراق. ومع ذلك، يؤكد الخبراء العسكريون والمسؤولون السابقون أن التصميم والنية وراء الانتشار الحالي يختلفان جوهرياً عن تلك التي سبقت غزو العراق.
الاستعداد العسكري الأمريكي ضد إيران: اختلاف الجوهر عن عام 2003
في بداية عام 2003، حشدت الولايات المتحدة ما يزيد عن 300 ألف فرد عسكري في المنطقة، مدعومين بنحو 1800 طائرة تابعة للتحالف وفرق من الجيش ومشاة البحرية في الكويت والمملكة العربية السعودية استعداداً لعملية “حرية العراق”. كان هذا الحشد معداً لغزو واسع النطاق، وإسقاط النظام، واحتلال البلاد. في المقابل، يروي الانتشار العسكري الحالي قصة مختلفة، حيث يمثل غياب القوات البرية المتراكمة التباين الأوضح مع عام 2003.
وقال الجنرال المتقاعد فيليب بريدلوف، القائد الأعلى السابق لقوات حلف شمال الأطلسي في أوروبا، في تصريحات لـ Fox News Digital: “أعتقد أنه لا توجد أي نية على الإطلاق لإدخال قوات برية إلى إيران. لذا فإن الحشد مختلف جداً”. وأضاف: “ما يحدث هو نقل كل من القوة النارية والإمدادات إلى الأماكن الصحيحة… الهواة يتحدثون عن التكتيكات؛ المحترفون يتحدثون عن اللوجستيات. وفي الوقت الحالي، نحن نحصل على اللوجستيات الصحيحة، ليس فقط في شكل مسلحين بل أيضاً إمدادات لدعم جهود مستمرة”.
من جانبه، أوضح جون سبنسر، المدير التنفيذي لمعهد حرب المدن، أن “الهدف الاستراتيجي في كلتا الحالتين هو الإكراه، وتشكيل حسابات قرار الخصم من خلال القوة العسكرية المرئية، ولكن بينما قد يبدو حجم الحشد قابلاً للمقارنة، فإن ما يتم تعبئته وتهديده يختلف جوهرياً”. وأشار سبنسر إلى أن “في عام 2003، جمعت الولايات المتحدة قوة تركز على الأرض مصممة لإسقاط النظام، والاستيلاء على الأراضي واحتلالها. أما الموقف اليوم فهو يركز على القوة البحرية والجوية، مع التركيز على مجموعات حاملات الطائرات، والضربات الدقيقة بعيدة المدى، والدفاعات الجوية المتطبقة، مما يشير إلى استعداد واضح للتحرك مع إرسال رسالة واضحة جداً مفادها أنه لا توجد خطط لإرسال قوات برية”.
القدرات العسكرية المتزايدة وخيارات التحرك
قال جاويد علي، الأستاذ المساعد في كلية فورد بجامعة ميشيغان ومسؤول سابق كبير في مكافحة الإرهاب: “إن الحشد العسكري الأمريكي الأخير ضد إيران – الذي يشمل الآن مجموعتي معارك لحاملات الطائرات، بالإضافة إلى عشرات الطائرات الأمريكية الأخرى التي تم إرسالها إلى القواعد في المنطقة وأنظمة الدفاع الجوي والصاروخي – يوفر للرئيس ترامب قدرة عسكرية كبيرة إذا أذن بعمليات عسكرية ضد إيران”.
وأشار علي إلى أن القدرات الأمريكية الموجودة بالفعل في المنطقة في قاعدة العديد الجوية في قطر، ودييغو غارسيا في المحيط الهندي، ومواقع أخرى تمنح واشنطن خيارات ضرب متعددة. وأضاف أنه في حال صدور أمر، فإن العمليات “من المرجح جداً أن تكون واسعة النطاق ضد مجموعة من الأهداف مثل المؤسسة الدينية الحاكمة، وكبار المسؤولين في الحرس الثوري الإيراني، ومرافق إنتاج وإخفاء وإطلاق الصواريخ الباليستية والطائرات بدون طيار الرئيسية، وعناصر من البنية التحتية النووية الإيرانية، وقد تستمر لأيام إن لم تكن أطول”.
ضغوط متزايدة أم استعداد للحرب؟
قال بريدلوف إن النشر التدريجي لحاملات الطائرات والأصول الجوية يبدو مصمماً لزيادة الضغط، وليس لإشعال حرب فورية. وأوضح: “لقد أحضرنا مجموعة حاملة طائرات واحدة لم تغير الخطاب في إيران… لذا بدأ الرئيس الآن في إرسال مجموعة حاملة طائرات ثانية إلى المنطقة. أعتقد أن كل هذه الأمور تزيد الضغط ببطء على إيران لمساعدتها على اتخاذ القرار الصحيح… لنجلس على الطاولة ونحل هذه المسألة”.
أكد علي تبايناً رئيسياً آخر: السلطة القانونية وهيكل التحالف. فالحرب على العراق عام 2003 فوضت بتفويض من الكونغرس لاستخدام القوة العسكرية ودعمتها تحالفات دولية واسعة، بما في ذلك عشرات الآلاف من القوات البريطانية. “حاليًا، لم تتم الموافقة على أي تفويض مماثل من الكونغرس لعمليات عسكرية ضد إيران، مما قد يعني أن الرئيس ترامب قد يلجأ إلى سلطته الدائمة بموجب المادة الثانية من الدستور الأمريكي بصفته القائد الأعلى، كأساس قانوني بديل، نظراً للتهديدات التي تشكلها إيران على الولايات المتحدة”.
مخاطر التصعيد والدروس المستفادة
هذا لا يعني أن التصعيد خالٍ من المخاطر. حذر علي من أن إيران قد ترد بـ “هجمات صاروخية باليستية” بوتيرة أعلى بكثير من الضربات السابقة، بالإضافة إلى الطائرات بدون طيار، والعمليات السيبرانية، وتعطيل حركة الملاحة في الخليج الفارسي. وأشار بريدلوف إلى الدروس المستفادة من العراق. “نريد أن تكون لدينا مجموعة واضحة من الأهداف… لا نريد الدخول في معركة لا نهاية لها مع إيران… نحتاج إلى خطة لما بعد اليوم الأول،” محذراً من تكرار الأخطاء الماضية حيث لم يقترن النجاح العسكري بتخطيط ما بعد الصراع.
التمييز العسكري المركزي، حسب قول المحللين، هو أن عام 2003 كان يعنى ببنية الغزو. أما اليوم، فهو يعنى ببنية الردع والضرب. القوة الموجودة الآن محسّنة لتحقيق التفوق الجوي، والضربات الدقيقة بعيدة المدى، والعمليات البحرية المستدامة – وليس للاستيلاء على الأراضي والاحتفاظ بها. وما إذا كانت هذه الوضعية ستنجح في دفع إيران للعودة إلى المفاوضات دون الانزلاق إلى صراع مفتوح، قد يعتمد بشكل أقل على الأرقام منه على كيفية حساب كل جانب لتكلفة التصعيد.
ويبقى السؤال الأهم ما إذا كان الحشد العسكري الحالي سيجبر طهران على إعادة تقييم مواقفها والبحث عن حل دبلوماسي، أم أنه سيؤدي إلى جولة جديدة من التوترات المتصاعدة، وهو ما ستكشف عنه الأسابيع والأشهر القادمة.






