تتحول قوائم الموسيقى في منطقتنا العربية إلى ساحة صراع فني راقٍ يعكس ذائقة الجمهور المتغيرة باستمرار. ومن خلال متابعة قائمة الفنانون العرب الأكثر استماعاً لهذا الشهر عبر بيلبورد عربية، نلاحظ استمرارية مذهلة لأسماء كلاسيكية بجانب بروز لافت لجيل الشباب. هذا التنوع يمتد ليشمل أيضاً حضوراً قوياً لمجموعة من نجوم الفن الخليجي الذين استطاعوا حجز مقاعد متقدمة بفضل إنتاجاتهم المتميزة وتواصلهم المستمر مع القاعدة الجماهيرية العريضة في المملكة ودول الخليج والوطن العربي ككل.


صدارة الهضبة وتربع النجوم على القمة

لا يزال عمرو دياب، الملقب بالهضبة، يثبت أن العمر مجرد رقم في عالم النجومية. بتربعه على المركز الأول لأسابيع طويلة وصلت إلى 111 أسبوعاً، يبرهن دياب على قدرته الفائقة في مواكبة تطورات الموسيقى العالمية مع الحفاظ على هويته التي يعشقها الملايين. يليه في القائمة الفنان “ديستانكت” الذي حافظ على المركز الثاني، مما يعكس صعود الموجة الموسيقية العصرية التي تمزج بين الروح العربية والإيقاعات العالمية.

أما الغموض الفني، فيتجسد في المركز الثالث مع “توو ليت” (TUL8)، الذي استطاع جذب اهتمام جيل الشباب بأسلوبه المختلف وشخصيته الفنية التي تثير الكثير من التساؤلات، مما منحه استمرارية لافتة على مدار 82 أسبوعاً في القوائم.

شيرين ونجوم الطرب الأصيل

في المركز الرابع، نجد “صوت مصر” شيرين عبد الوهاب، التي رغم كل التحديات الشخصية، تظل رمزاً لا يتزعزع في الوجدان الشعبي. استمرارها لـ 111 أسبوعاً يؤكد أن الجمهور يفصل تماماً بين حياة الفنان الشخصية وعطائه الفني الفريد. ويأتي فضل شاكر في المركز الخامس، ليثبت أن الإحساس الصادق والكلمة العذبة لا تزال تجد صدىً واسعاً في قلوب المستمعين العرب.


الحضور الخليجي: تنوع بين الراب والطرب

المشهد الموسيقي في الخليج العربي يعيش أزهى عصوره، ولم يعد مقتصراً على اللون الشعبي فقط، بل امتد ليشمل الراب والبوب العصري.

  • فليبراتشي (المركز 7): يمثل الرابر البحريني فليبراتشي قصة نجاح ملهمة في مشهد الهيب هوب الخليجي. وصوله للمركز السابع متفوقاً على أسماء كبيرة يعكس مدى تقبل الجمهور لهذا النوع من الموسيقى عندما يُقدم بلهجة محلية وروح شبابية.
  • حسين الجسمي (المركز 36): الجبل، كما يلقبه محبوه، يظل رقماً صعباً. الجسمي ليس مجرد فنان إماراتي، بل هو صوت عربي عابر للحدود، استطاع بذكائه الفني أن يكون حاضراً في كل المناسبات العربية.
  • ماجد المهندس (المركز 54): “برنس” الأغنية الخليجية، الذي يجمع بين الرقي في الأداء واختيار الكلمات التي تلامس الروح، ما زال يحافظ على تواجده القوي في القوائم كأحد أعمدة الفن المعاصر.

الوجوه الصاعدة والأسماء العابرة للحدود

الجميل في قوائم هذا الأسبوع هو بروز أسماء شابة بدأت تشق طريقها نحو العالمية بخطى ثابتة. نجد الفنانة الكويتية ليل المحمدي في المركز 61، وهي تمثل الجيل الجديد من الأصوات النسائية التي تجمع بين الموهبة والجرأة في الطرح.

أما الفنان عايض، الذي يحل في المركز 88، فيعد أيقونة للشباب السعودي. عايض استطاع بناء قاعدة جماهيرية ضخمة من خلال التنوع في اختيار ألحانه، والاعتماد على الأداء الحي القوي الذي يميزه في الحفلات المباشرة.

حالة أميمة طالب الخاصة

أميمة طالب، الفنانة التونسية المقيمة في المركز 99، تمثل حالة فنية فريدة. فرغم جذورها المغاربية، إلا أنها أصبحت ركناً أساسياً في الساحة الخليجية. تمكنت أميمة من إتقان اللهجة الخليجية وتقديم أعمال لاقت رواجاً كبيراً في السعودية، مما جعلها تُحسب فنياً على هذا النطاق بامتياز.


تحليل القوائم: ما الذي يبحث عنه المستمع العربي؟

إذا نظرنا إلى الجدول الزمني للاستمرار في القوائم، نجد أن معظم فناني “العشرة الأوائل” قضوا أكثر من 100 أسبوع. هذا يعني أن الاستمرارية ليست وليدة الصدفة، بل هي نتيجة لجهد تسويقي وفني ضخم.

  1. المحتوى الرقمي: الفنانون الأكثر استماعاً هم الأكثر تفاعلاً على منصات البث الرقمي.
  2. التنوع الموسيقي: نلاحظ وجود الراب (فليبراتشي) بجانب الطرب (تامر عاشور ونانسي عجرم وبهاء سلطان).
  3. الهوية والابتكار: الفنان الذي ينجح هو من يقدم شيئاً يشبه الناس وفي الوقت نفسه يتضمن لمسة ابتكارية غير مسبوقة.

تامر عاشور، نانسي عجرم، وبهاء سلطان يغلقون قائمة العشرة الأوائل، وكل منهم يمثل مدرسة فنية مستقلة بذاتها، مما يجعل المنافسة في المراكز الأولى محتدمة جداً وتتغير بتغير الإصدارات الجديدة لكل منهم.


في رحاب الإبداع والجمال

بناءً على ما تقدم، نرى أن الموسيقى العربية اليوم تعيش حالة من التجدد الدائم. القوائم ليست مجرد أرقام، بل هي مرآة تعكس مشاعرنا وانتماءاتنا وما نحب أن نسمعه في لحظاتنا المختلفة. إن تصدر عمرو دياب وبقاء شيرين ومنافسة نجوم الخليج مثل فليبراتشي وعايض، يطمئننا أن الساحة الفنية بخير، وأن هناك متسعاً لكل الألوان والإبداعات. الأهم من ذلك هو هذا التواصل الروحي بين الفنان وجمهوره، الذي يترجم في النهاية إلى ملايين الاستماعات وتواجد مستمر في قوائم الشرف الموسيقية. ومع اقترابنا من نهاية شهر يناير لعام 2026، يبدو أن المنافسة ستزداد اشتعالاً مع دخول إصدارات الربيع القادمة.

شاركها.