يمثل موقع العرائش، وهو جزء حيوي من طريق زبيدة التاريخي، اكتشافًا هامًا يلقي الضوء على البنية التحتية المائية والهندسية المتقدمة التي خدمت الحجاج والمسافرين في العصور الإسلامية. يقع الموقع في منطقة مكة المكرمة، ويضم ثلاثة أجزاء رئيسية: العرائش الشمالي، والعرائش الأوسط، والعرائش الجنوبي. وقد سلطت الدراسات الحديثة الضوء على أهمية هذا الموقع في فهم تطور طرق الحج القديمة.
أعلنت الهيئة العامة للسياحة والتراث في السعودية عن نتائج مسح أثري شامل للموقع، مؤكدةً على أهميته التاريخية والثقافية. يهدف المسح إلى توثيق الموقع وحمايته، وتقديمه كمعلم سياحي وثقافي بارز. وتشير التقديرات الأولية إلى أن الموقع يعود إلى فترة ما بين القرنين الثامن والثاني عشر الميلاديين.
أهمية العرائش التاريخية ودورها في طريق زبيدة
طريق زبيدة، الذي أمرت ببنائه زوجة الخليفة العباسي هارون الرشيد، زبيدة بنت جعفر، كان شريانًا حيويًا للحج، حيث ربط الكوفة بمكة المكرمة. كانت العرائش بمثابة محطات استراحة وتزود بالماء للحجاج والمسافرين، مما يدل على الاهتمام الكبير الذي أولته الدولة العباسية لخدمة الحجاج.
مكونات العرائش المختلفة
يتكون العرائش الشمالي من مجموعة من الوحدات المعمارية المتنوعة، بما في ذلك بركة التناهي التي تحتوي على عشر وحدات مختلفة، ومباني متعددة الأغراض، ومجمعات لأفران الحجر الجيري. تمتد هذه الوحدات على مساحة 450 مترًا طولًا و 250 مترًا عرضًا، مما يشير إلى حجم الاستعدادات اللوجستية التي كانت تُبذل لاستقبال الحجاج.
أما العرائش الأوسط، المعروف باسم التنانير، فيضم تسع وحدات معمارية تنتشر على مساحة 400 متر طولًا و 250 متر عرضًا. يتميز هذا الجزء بوجود بركة دائرية متصلة بحوض، وبركة مربعة، بالإضافة إلى بئرين وثلاثة أفران لعمل الجبس.
في المقابل، يمثل العرائش الجنوبي تطورًا ملحوظًا في البنية المائية والهندسية، حيث يظهر تصميمًا أكثر تعقيدًا وتنظيمًا. يعكس هذا التطور الجهود المستمرة لتحسين خدمات الحجاج وتلبية احتياجاتهم المتزايدة.
البنية المائية والهندسية المتقدمة
تبرز بركة العرائش كشاهد على عبقرية التخطيط المائي في العصور الإسلامية. اعتمدت هذه البرك على نظام متكامل لتجميع وتخزين المياه، مما يضمن توفير المياه العذبة للحجاج والمسافرين على مدار العام.
بالإضافة إلى ذلك، استخدمت تقنيات بناء متطورة في إنشاء هذه البرك، مثل استخدام الحجر الجيري المقاوم للتسرب، وتصميم قنوات تصريف فعالة. هذه التقنيات تعكس مستوى عالٍ من المعرفة الهندسية والخبرة العملية لدى المهندسين المعماريين في تلك الحقبة.
تشير الدراسات إلى أن نظام إدارة المياه في العرائش كان جزءًا من شبكة أكبر من الآبار والبرك والقنوات التي امتدت على طول طريق زبيدة. هذه الشبكة ساهمت في توفير المياه للحجاج والمسافرين على مسافة طويلة، مما جعل طريق زبيدة طريقًا آمنًا ومريحًا للحج.
جهود الحماية والتوثيق
تولي الهيئة العامة للسياحة والتراث في السعودية اهتمامًا خاصًا بحماية وتوثيق موقع العرائش. وقد تم تخصيص فريق من الخبراء والباحثين لإجراء المزيد من الدراسات والمسوحات الأثرية في الموقع.
يهدف هذا الجهد إلى فهم أعمق لتاريخ الموقع وأهميته الثقافية، ووضع خطة شاملة لحمايته وترميمه. تشمل الخطة إجراء أعمال الصيانة اللازمة للبرك والمباني، وتأهيل الموقع لاستقبال الزوار.
بالإضافة إلى ذلك، تعمل الهيئة على توثيق الموقع من خلال التصوير الفوتوغرافي والمسح ثلاثي الأبعاد، وإنشاء قاعدة بيانات شاملة تحتوي على جميع المعلومات المتعلقة بالموقع. سيتم استخدام هذه المعلومات في نشر الوعي بأهمية الموقع، وتشجيع السياحة الثقافية.
تعتبر السياحة الثقافية من الركائز الأساسية لرؤية المملكة 2030، ويهدف تطوير موقع العرائش إلى جذب المزيد من السياح المهتمين بالتاريخ والثقافة الإسلامية.
من المتوقع أن تعلن الهيئة العامة للسياحة والتراث عن خطة تفصيلية لترميم وتأهيل موقع العرائش بحلول نهاية العام الحالي. سيتم تحديد الميزانية اللازمة لتنفيذ الخطة، والجدول الزمني للمشروع.
ومع ذلك، لا تزال هناك بعض التحديات التي تواجه جهود الحماية والتوثيق، مثل التآكل الطبيعي للمباني، والتغيرات المناخية، والتدخلات البشرية غير المدروسة. يتطلب التغلب على هذه التحديات تعاونًا وثيقًا بين جميع الجهات المعنية، وتطبيق أفضل الممارسات في مجال الحفاظ على التراث الثقافي.






