تستعد الهند لتوقيع وتنفيذ اتفاقية التجارة الحرة الطموحة مع الاتحاد الأوروبي، والتي وُصفت بأنها “صفقة القرن التجارية”، وذلك فور استكمال الإجراءات الداخلية للاتحاد الأوروبي، حسبما أكد سفير الهند لدى الاتحاد الأوروبي، سوراب كومار، في مقابلة مع شبكة يورونيوز. هذه الخطوة المنتظرة تمثل دفعة قوية للعلاقات الاقتصادية بين الجانبين، وتعكس رغبة الهند في تعزيز شراكاتها الاستراتيجية في ظل بيئة اقتصادية عالمية متغيرة. تعد اتفاقية التجارة الحرة بين الهند والاتحاد الأوروبي حجر الزاوية في هذه المرحلة الجديدة من التعاون.

وفي تصريحاته لبرنامج “Europe Today” الإخباري، أعرب السفير كومار عن ثقته في سرعة توقيع الاتفاقية، مشيراً إلى أن الجانبين سيعملان بجد لإتمام هذه العملية في أقرب وقت ممكن. يأتي هذا التطور بعد أسابيع قليلة من توقيع الاتفاقية في يناير الماضي، والتي تهدف إلى مضاعفة صادرات الاتحاد الأوروبي إلى الهند بحلول عام 2032 من خلال خفض الرسوم الجمركية على ما يقرب من 96% من السلع الأوروبية. ويُقدر أن يوفر هذا الإجراء ما لا يقل عن 4 مليارات يورو سنوياً في الرسوم الجمركية للشركات الأوروبية، بينما يمنح الهند بعض الانفراج بعد القيود التجارية التي فرضتها الولايات المتحدة.

آفاق جديدة لاتفاقية التجارة الحرة بين الهند والاتحاد الأوروبي

تمثل اتفاقية التجارة الحرة بين الهند والاتحاد الأوروبي، في كامل إمكاناتها، فرصة لإنشاء سوق يضم ملياري شخص، مما يجعلها أكبر اتفاقية تجارية بين تكتلين اقتصاديين رئيسيين. يكتسب توقيت إبرام هذه الصفقة أهمية خاصة في ظل سعي الجانبين إلى تنويع مصادر اعتمادهما وتقليل المخاطر الاقتصادية، سواء الناتجة عن السياسات التجارية الأمريكية أو من الفائض التجاري المتزايد للصين. وجاءت هذه الاتفاقية كـ”انتصار استراتيجي” في عالم يتجه نحو تعدد الأقطاب، كما وصفها السفير كومار.

وأوضح السفير أن الاتحاد الأوروبي والهند يمثلان “قطبين مهمين” في هذا التشكيل العالمي، وأن تعاونهما ضروري “لتحقيق المنفعة المتبادلة وللسلم العالمي أيضاً”. وفيما يتعلق بتأثير السياسات التجارية الأمريكية، أكد كومار أن العلاقة بين الهند والاتحاد الأوروبي “تقوم على أسسها الخاصة ولها مزاياها الذاتية”، لكنه أقر بالحاجة إلى تقليل الاعتماد المفرط في بيئة تجارية تتسم بالتقلب. وأضاف أن “الاعتماديات المفرطة ليست جيدة، وهناك حاجة لبناء تكرار في سلاسل التوريد، وتوفير خيارات متعددة”.

التنويع وتقليل المخاطر كدوافع رئيسية

وشدد السفير كومار على الدور الحيوي الذي تلعبه اتفاقية التجارة الحرة بين الهند والاتحاد الأوروبي في سياق “تقليل المخاطر الاقتصادية المتبادلة، وبناء التكرار في سلاسل التوريد، وتوفير المزيد من خيارات التصنيع”. ويرى أن الاتفاقية ستخدم غرضاً بالغ الأهمية في هذا الصدد، مما يعزز المرونة الاقتصادية لكلا الطرفين.

جاءت تصريحات السفير كومار بالتزامن مع استضافة الهند لعدد من قادة العالم، بمن فيهم الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون ورئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانشيز، للمشاركة في “قمة تأثير الذكاء الاصطناعي في الهند” (India-AI Impact Summit) في نيودلهي. وأشار السفير إلى أن الجانبين يريان في مجالي التكنولوجيا والدفاع مجالات تركيز وثيقة للتعاون، مع دخول علاقات الاتحاد الأوروبي والهند “مرحلة جديدة”. وتزامناً مع ذلك، وقع الاتحاد الأوروبي أيضاً على شراكة أمنية ودفاعية على هامش قمة الاتحاد الأوروبي والهند.

وأضاف كومار أن “الدفاع، وخاصة صناعات الدفاع، والجوانب التكنولوجية، ستصبح أكثر أهمية في العلاقة بين الاتحاد الأوروبي والهند كلما تقدمنا”.

الخطوات التالية وتوقعات المستقبل

من المتوقع أن تشهد الأشهر القادمة تسريعاً في عملية المصادقة على اتفاقية التجارة الحرة بين الهند والاتحاد الأوروبي. وبينما لا يزال الجدول الزمني الدقيق لاستكمال الإجراءات الداخلية للاتحاد الأوروبي غير محدد بشكل نهائي، فإن لهجة السفير الهندي تشير إلى استعداد كامل وجاهزية لدفع الاتفاقية إلى الأمام. تظل عين المراقبين الاقتصادية على هذه التطورات، حيث يمكن أن تشكل هذه الصفقة نموذجاً لشراكات تجارية استراتيجية مستقبلية في عالم يشهد تحولات جيوسياسية واقتصادية متسارعة. يبقى السؤال المطروح هو مدى سرعة الإجراءات الداخلية للاتحاد الأوروبي وقدرة الجانبين على الاستفادة الكاملة من الإمكانات الهائلة لهذه الشراكة.

شاركها.