طور باحثون في مايو كلينك نموذجًا متقدمًا للذكاء الاصطناعي قد يُحدث ثورة في تشخيص سرطان البنكرياس، بعد أن أثبت قدرته على رصد المرض عبر فحوصات الأشعة المقطعية الروتينية للبطن، قبل التشخيص السريري بثلاث سنوات. يمنح هذا التقدم فرصة ثمينة لاكتشاف المرض في مرحلة يكون فيها العلاج أكثر فاعلية، مما يمثل خطوة هامة في مكافحة أحد أكثر أنواع السرطان فتكًا.

يُعد سرطان البنكرياس من أخطر أنواع السرطان، حيث غالبًا ما تظهر أعراضه متأخرة، مما يؤدي إلى تشخيصه بعد انتشار المرض وانخفاض فرص النجاة. لذلك، يُنظر إلى الكشف المبكر على أنه العامل الأهم في تحسين فرص البقاء على قيد الحياة.

مؤشرات دقيقة في الأشعة المقطعية

يعتمد النظام الجديد على تحليل مؤشرات دقيقة للغاية داخل صور الأشعة، والتي يصعب ملاحظتها بالعين البشرية. يرصد النموذج تغيرات مبكرة في نسيج البنكرياس وبنية الأنسجة قبل ظهور الأورام بشكل واضح. كما يمكنه تحليل فحوصات أُجريت لأسباب أخرى، خاصة لدى الأشخاص المعرضين لخطر مرتفع مثل المصابين حديثًا بالسكري. ويُطلق على هذا النموذج اسم “ريدمود” (REDMOD).

خلال الاختبارات، قام الباحثون بتحليل حوالي 2000 صورة أشعة مقطعية لمرضى تبين لاحقًا إصابتهم بسرطان البنكرياس، رغم أن تلك الفحوصات كانت قد صُنفت سابقًا على أنها طبيعية. أظهر النموذج قدرة على اكتشاف 73% من الحالات مبكرًا، بمتوسط زمني بلغ 16 شهرًا قبل التشخيص التقليدي. وتُعد هذه النتيجة أداءً يقارب ضعف ما يمكن تحقيقه بالمراجعة البشرية وحدها.

نتائج إيجابية مبكرة لنموذج الذكاء الاصطناعي

كانت النتائج مشجعة بشكل خاص في المراحل المبكرة جدًا للكشف. فقد نجح النموذج في اكتشاف عدد من الحالات يزيد بثلاثة أضعاف في الفحوصات التي أُجريت قبل أكثر من عامين من التشخيص، وهي مرحلة غالبًا ما يمر فيها المرض دون أي أعراض أو إشارات واضحة. وهذا يشير إلى إمكانية الكشف المبكر عن سرطان البنكرياس باستخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي.

يعمل النموذج بشكل آلي بالكامل، دون الحاجة إلى إعدادات يدوية معقدة أو تستغرق وقتًا طويلاً. وقد تأكد الباحثون من دقته عبر اختباره على فحوصات الأشعة المقطعية (CT) القادمة من مؤسسات متعددة، وباستخدام أجهزة وأساليب تصوير مختلفة.

أظهرت الاختبارات قدرته على الحفاظ على أداء ثابت في بيئات طبية متنوعة، وليس فقط ضمن مجموعة بيانات محدودة. كما أظهرت نتائجه استقرارًا مع مرور الوقت؛ فقد قدّم الذكاء الاصطناعي تحليلات متسقة للمرضى الذين أجروا عدة فحوصات على فترات متباعدة، وهو ما يعزز إمكاناته في المتابعة المستمرة.

ومع ذلك، من المهم الإشارة إلى أن النظام قد يُنتج بعض النتائج الإيجابية الكاذبة (false positives)، مما يعني أن بعض الأشخاص قد يُطلب منهم إجراء فحوصات إضافية رغم عدم إصابتهم. يعمل الفريق حاليًا على تقليل هذه الظاهرة.

يعمل الفريق حاليًا على نقل هذه التقنية إلى مرحلة التجارب السريرية الفعلية. الهدف هو تقييم استخدام الذكاء الاصطناعي في المستشفيات وقياس أثره المباشر على إنقاذ المرضى. إذا أثبتت النتائج نجاحها، فقد يصبح الذكاء الاصطناعي أداة حاسمة في مواجهة أحد أكثر السرطانات فتكًا وصعوبة في الاكتشاف.

شاركها.