شهد عام 2024 تحولاً ملحوظاً في صناعة تطبيقات المواعدة، حيث انتقلت من التركيز على التوسع السريع وعدد المستخدمين اللامتناهي إلى تبني الذكاء الاصطناعي (AI) كوسيلة لتحسين عملية التوفيق بين الأفراد. لم يكن هذا التحول مجرد مواكبة للتقنيات الجديدة، بل جاء كاستجابة لـ “إرهاق المواعدة” المتزايد ورغبة المستخدمين في إيجاد علاقات أكثر جدية وأصالة. أصبحت تطبيقات المواعدة تبحث عن “غفران” لسنوات من استغلال المستخدمين من خلال تقديم حلول تقنية تعزز التواصل الحقيقي، كما يشير مراقبون الصناعة.

تتركز هذه التغييرات بشكل أساسي في الولايات المتحدة وأوروبا، ولكنها بدأت تؤثر على تطبيقات المواعدة في جميع أنحاء العالم، بما في ذلك منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا. يهدف هذا التحول إلى استعادة ثقة المستخدمين في هذه المنصات، التي كانت تواجه انتقادات بسبب تركيزها المفرط على الربح على حساب الجودة والصدق في العلاقات.

الذكاء الاصطناعي وتطبيقات المواعدة: نحو علاقات أكثر “ذكاءً”

بدلاً من الاعتماد على خوارزميات بسيطة لتحديد التطابقات بناءً على الاهتمامات المشتركة، بدأت الشركات في دمج أدوات الذكاء الاصطناعي لتقديم تجربة أكثر تخصيصاً. تتضمن هذه الأدوات تحليلًا أعمق لملفات تعريف المستخدمين، وفهمًا أفضل لتفضيلاتهم، وتقديم اقتراحات أكثر دقة للأشخاص الذين قد يكونون متوافقين معهم. تأتي هذه التطورات في وقت يشهد فيه أكثر من 50٪ من البالغين العازبين في الولايات المتحدة، وفقًا لدراسة أجرتها مؤسسة بيو للأبحاث، عدم رغبة في البحث عن علاقة أو حتى مواعدة عابرة.

التطورات الرئيسية في استخدام الذكاء الاصطناعي

أطلقت شركة Three Day Rule تطبيق “Tai” المدعوم بالذكاء الاصطناعي والذي تم تدريبه بواسطة خبراء في التوفيق بين الأفراد، ليقدم توجيهات في الوقت الفعلي. ومع ذلك، لم يخل الأمر من ردود فعل سلبية، حيث أبدت بعض المستخدمات استياءهن من التبني الواسع للتكنولوجيا.

وفي الوقت نفسه، تسعى Grindr، وهي منصة موجهة للمثليين، إلى أن تصبح الوجهة الأولى للعلاقات الاجتماعية عبر الإنترنت من خلال اعتماد استراتيجية “الذكاء الاصطناعي أولاً”، مستخدمة أدوات من شركات مثل Anthropic و Amazon لتحسين ميزات مثل “Wingman” وملخصات الدردشة. تتضمن هذه الأدوات أيضًا تحليلًا للسلوكيات والميول لتحديد التطابقات المحتملة.

تستكشف تطبيقات أخرى مثل Iris و Rizz و Elate أيضًا ميزات الذكاء الاصطناعي لمساعدة المستخدمين في المراحل الأولى من التواصل. تشمل هذه الميزات اقتراحات للرسائل، وتحليل لمحتوى الدردشة، وتقديم نصائح حول كيفية بناء علاقات قوية.

تراجع التفاعل التقليدي وضرورة التجديد

على الرغم من النمو في استخدام تطبيقات المواعدة، تشير تحليلات شركة Apptopia إلى انخفاض عام في تفاعل المستخدمين بنسبة 7٪ على مدى العام الماضي. وهذا يشير إلى أن المستخدمين قد بدأوا يشعرون بالإحباط من النماذج التقليدية التي تركز على التمرير السريع والإعجابات السطحية.

في المقابل، شهدت العلاقات الافتراضية نموًا قياسيًا في عام 2024، وهو ما يتزامن مع زيادة في حالات الطلاق الناجمة عن “خيانات الذكاء الاصطناعي” (وفقًا لتقرير صادر عن TechCrunch). يشير هذا إلى أن المستخدمين يبحثون عن طرق جديدة للتواصل، ولكنهم أيضًا يواجهون تحديات جديدة تتعلق بالثقة والأمان.

حاولت Tinder، من ناحيتها، مواجهة هذه التحديات من خلال تجديد علامتها التجارية ومحاولة جذب جيل Z. وقد أطلقت الشركة تحديثًا إلزاميًا للتحقق من الوجه للحد من الحسابات المزيفة، وهو ما يمثل خطوة مهمة نحو تحسين سلامة المنصة. ويركز التحقق من الهوية على بناء الثقة بين المستخدمين.

الكشف عن الحسابات المزيفة: تحدٍ مستمر

واجهت تطبيقات المواعدة تحديًا كبيرًا يتمثل في انتشار الحسابات المزيفة، والتي غالبًا ما تستخدم لأغراض احتيالية أو للتلاعب بالمستخدمين. وقد اتخذت الشركات إجراءات مختلفة لمكافحة هذه المشكلة، بما في ذلك التحقق من الهوية، واستخدام خوارزميات للكشف عن السلوك المشبوه، وإشراك المستخدمين في الإبلاغ عن الحسابات المزيفة.

يقول يويل روث، رئيس قسم الثقة والسلامة في Match Group، إن أكبر مشكلة تواجههم هي “الإنشاء بالجملة للحسابات الجديدة”. وهذا يشير إلى أن الجهود المبذولة لمكافحة الحسابات المزيفة يجب أن تكون مستمرة ومتطورة.

نظرة مستقبلية

من المتوقع أن يستمر استخدام الذكاء الاصطناعي في تطبيقات المواعدة في التزايد في السنوات القادمة. ستشمل هذه التطورات المزيد من الميزات المخصصة، وتحليلات أكثر دقة، وربما حتى مساعدين افتراضيين يمكنهم مساعدة المستخدمين في بناء علاقاتهم.

ومع ذلك، لا يزال هناك الكثير من عدم اليقين حول مستقبل هذه التكنولوجيا. سيكون من المهم مراقبة كيفية استجابة المستخدمين لهذه التطورات، وكيف يمكن للشركات معالجة المخاوف المتعلقة بالخصوصية والأمان. سيستغرق الأمر بعض الوقت لتقييم مدى فعالية هذه التحسينات في بناء علاقات ذات معنى ودائمة.

في الربع الأول من عام 2025، من المتوقع نشر تقرير شامل من قبل اتحاد تطبيقات المواعدة يقيّم تأثير الذكاء الاصطناعي على نسبة النجاح في العلاقات التي تبدأ عبر الإنترنت. سيكون هذا التقرير بمثابة نقطة مرجعية مهمة للمستثمرين والمطورين والمستخدمين على حد سواء.

شاركها.