شهد سوق العملات تغيرات ملحوظة في نهاية عام 2023، حيث سجل سعر الدولار انخفاضاً كبيراً. وتراجع الدولار الأمريكي ليسجل أكبر خسارة سنوية له منذ عام 2017، مع توقعات من بنوك الاستثمار الكبرى في وول ستريت باستمرار هذا الاتجاه الهبوطي خلال العام 2024 وحتى 2026. ويأتي هذا الانخفاض متزامناً مع توقعات بتخفيف السياسة النقدية للاحتياطي الفيدرالي الأمريكي.
تأثرت أسواق الصرف في جميع أنحاء العالم بهذا التحول، بما في ذلك الأسواق العربية. وقد أثر ضعف الدولار على أسعار السلع الأساسية، وعلى تكلفة الاستيراد والتصدير للعديد من الدول. وتتزايد التساؤلات حول مستقبل الدولار ودوره في الاقتصاد العالمي في ظل هذه التطورات.
أسباب انخفاض سعر الدولار وتوقعات المستقبل
يعزى الانخفاض في سعر الدولار إلى عدة عوامل رئيسية. أهمها، التحول في توقعات أسعار الفائدة المستقبلية في الولايات المتحدة. فبعد فترة من التشديد النقدي لمكافحة التضخم، بدأت الأسواق تتوقع أن يبدأ الاحتياطي الفيدرالي في خفض أسعار الفائدة خلال العام القادم.
تأثير السياسة النقدية للاحتياطي الفيدرالي
خفض أسعار الفائدة يجعل الدولار أقل جاذبية للمستثمرين الأجانب، حيث يبحثون عن عوائد أعلى في أصول أخرى. هذا بدوره يزيد من المعروض من الدولار في السوق، مما يؤدي إلى انخفاض قيمته. بالإضافة إلى ذلك، فإن التوقعات بتخفيف السياسة النقدية تشير إلى أن الاحتياطي الفيدرالي أصبح أقل قلقًا بشأن التضخم، مما يقلل من الحاجة إلى دعم الدولار.
عامل آخر ساهم في هذا الانخفاض هو تحسن الأداء الاقتصادي العالمي بشكل عام. فمع تباطؤ النمو في الولايات المتحدة، بدأت الاقتصادات الأخرى مثل منطقة اليورو والصين في إظهار علامات انتعاش، مما أدى إلى زيادة الطلب على عملات تلك الدول وتقليل الطلب على الدولار. فقد أفادت وكالة “بلومبرج” بأن هناك تحسناً ملحوظاً في المؤشرات الاقتصادية العالمية.
تأثير التضخم وأداء الاقتصاد الأمريكي
على الرغم من أن التضخم في الولايات المتحدة قد بدأ في الانخفاض من مستوياته المرتفعة، إلا أنه لا يزال فوق هدف الاحتياطي الفيدرالي البالغ 2%. هذا الأمر يحتمل أن يحد من مدى قدرة الاحتياطي الفيدرالي على خفض أسعار الفائدة بشكل كبير. علاوة على ذلك، يظل أداء الاقتصاد الأمريكي غير مؤكد، مع وجود مخاطر تتعلق بالركود المحتمل.
تداعيات انخفاض سعر الدولار على الاقتصاد العالمي
تتعدد تداعيات انخفاض سعر الدولار على الاقتصاد العالمي. من بين هذه التداعيات، ارتفاع أسعار السلع الأساسية المقومة بالدولار، مثل النفط والذهب. وهذا يؤدي إلى زيادة تكاليف الإنتاج والعيش في جميع أنحاء العالم. يشير تحليل لـ “معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا” إلى أن ارتفاع أسعار النفط قد يكون له تأثير كبير على معدلات التضخم العالمية.
في المقابل، قد يستفيد بعض الاقتصادات من انخفاض سعر الدولار. فالدول التي لديها صادرات كبيرة إلى الولايات المتحدة قد تجد منتجاتها أكثر تنافسية في السوق الأمريكية، مما يؤدي إلى زيادة الطلب عليها. كما أن انخفاض الدولار قد يشجع السياحة إلى الولايات المتحدة، مما يعزز النمو الاقتصادي في قطاع السياحة.
بالنسبة للأسواق العربية، فإن ضعف الدولار قد يؤدي إلى ارتفاع أسعار الواردات من الولايات المتحدة، ولكن في الوقت نفسه قد يزيد من القدرة التنافسية لصادراتها غير النفطية. كما أن العديد من الدول العربية تربط عملاتها بالدولار، لذلك فإن انخفاضه قد يضغط على هذه الدول لإعادة تقييم سياساتها النقدية. وتتأثر أيضاً reserves الدولارية لدى البنوك المركزية العربية.
توقعات بنوك الاستثمار و السيناريوهات المحتملة
تتفق معظم بنوك الاستثمار الكبرى في وول ستريت على أن سعر الدولار سيستمر في الانخفاض خلال العام 2024 وحتى 2026. و تشير التوقعات إلى أن الدولار قد يفقد جزءاً كبيراً من قيمته الحالية، خاصة إذا بدأ الاحتياطي الفيدرالي في خفض أسعار الفائدة بشكل كبير.
ومع ذلك، هناك بعض السيناريوهات المحتملة التي قد تغير هذه التوقعات. على سبيل المثال، إذا تفاقمت الأوضاع الاقتصادية في الولايات المتحدة، أو إذا عاد التضخم للارتفاع، فقد يضطر الاحتياطي الفيدرالي إلى إعادة النظر في سياسته النقدية وتأجيل خفض أسعار الفائدة. هذا بدوره قد يدعم قيمة الدولار.
بشكل عام، يبقى مستقبل سعر الدولار غير مؤكد. ويتوقف على مجموعة متنوعة من العوامل الاقتصادية والسياسية. يجب على المستثمرين والشركات مراقبة هذه العوامل عن كثب واتخاذ قرارات مستنيرة بناءً عليها. و يراقب الخبراء عن كثب بيانات التوظيف و معدلات الإنفاق الاستهلاكي في الولايات المتحدة.
من المتوقع أن يعقد الاحتياطي الفيدرالي اجتماعات متعددة خلال الأشهر القليلة القادمة لمراجعة سياسته النقدية وتحديد موعد بدء خفض أسعار الفائدة. ستكون هذه الاجتماعات حاسمة في تحديد مسار الدولار في المستقبل القريب. و سيتضح بشكل أكبر مدى تأثير هذه التطورات على أسعار الصرف العالمية في الربع الأول من عام 2024.






