في تجربة فريدة من نوعها على مستوى المنطقة العربية، خاض برنامج الذكاء الاصطناعي “جيميناي 3.0 برو” (Gemini 3.0 Pro) من جوجل سجالًا شعريًا مباشرًا مع الشاعر والصحفي الموريتاني محمد ولد إدوم، وذلك على بحر بسيط وقافية الباء. تهدف التجربة إلى اختبار قدرة الآلة على مجاراة الشعر العربي العمودي، ليس من ناحية الوزن والقافية فحسب، بل أيضًا من حيث المعنى والإحساس والنقد الأدبي. هذا الاختبار يثير تساؤلات حول مستقبل الشعر والذكاء الاصطناعي.
سجال شعري بين الذكاء الاصطناعي والشعراء: حدود الإبداع الآلي
أُجري السجال كاختبار حيّ لقدرة “جيميناي 3.0 برو” على فهم وتعقيد قواعد الشعر العربي الفصيح، وهي قواعد تتجاوز مجرد الوزن والقافية لتشمل البلاغة، والاستعارة، والتراكيب اللغوية الدقيقة. لم تكن التجربة مجرد عرضًا تقنيًا لقدرات البرنامج، بل مواجهة ثقافية بين شاعر متمرس وآلة تحاول إثبات قدرتها على تجاوز حدود البرمجة. يعكس هذا التنافس اهتمامًا متزايدًا بالذكاء الاصطناعي في المجالات الإبداعية.
من هو محمد ولد إدوم؟
محمد ولد إدوم هو شاعر وكاتب صحفي موريتاني حائز على تقدير واسع في الأوساط الأدبية العربية. حصد ولد إدوم جوائز مرموقة في مسابقات شعرية، بما في ذلك حصوله على المركز الرابع في “جائزة البردة” للشعر الفصيح في الإمارات عن قصيدته “أمي أمي”، والتي تُعدّ من الجوائز الشعرية البارزة في العالم العربي. كما تأهل إلى النهائيات في “مسابقة سوق عكاظ” الدولية للشعر العربي، وحظي بتقدير كبير في برنامج “أمير الشعراء”. هذه الإنجازات تؤكد مكانته كأحد أبرز الأصوات الشعرية المعاصرة.
ما هو نموذج جيميناي 3 برو من جوجل؟
جيميناي 3 برو هو نموذج متطور للذكاء الاصطناعي طورته جوجل، ويتميز بقدرات فائقة في معالجة اللغة الطبيعية وفهم النصوص. يعتمد النموذج على تقنيات متقدمة تسمح له بتحليل المعلومات المعقدة، والاستدلال المنطقي، وإنتاج نصوص ذات جودة عالية. تتجاوز قدرات جيميناي 3 برو مجرد فهم النصوص لتشمل تحليل الصور ومقاطع الفيديو، مما يجعله أداة قوية في مختلف المجالات، بما في ذلك الترجمة، وكتابة المحتوى، والإبداع الفني. يتعلق الأمر بنموذج لغوي كبير، تم تدريبه على كمية هائلة من البيانات.
بداية السجال: أداء فني مذهل
في المراحل الأولى من السجال، أبدى برنامج “جيميناي 3.0 برو” قدرة لافتة على الالتزام بقواعد العروض والقافية، وصياغة أبيات شعرية متماسكة من الناحية اللغوية. كان البرنامج يبالغ في السرعة في الرد على أبيات الشاعر، ما أثار دهشة ولد إدوم، الذي أشاد بالدقة اللغوية والبراعة في استخدام التراكيب البلاغية. السرعة وقدرة الآلة على ابتكار أبيات شعرية متقنة أثارت تساؤلات حول مستقبل دور الشاعر.
تحدي المعنى: هل يمكن للآلة أن تخلق الشعر الحقيقي؟
ومع تقدم السجال، انتقل التركيز إلى جودة المعنى والعمق الإنساني للأبيات الشعرية. أشار الشاعر ولد إدوم إلى أن الأبيات التي أنتجها البرنامج، وإن كانت متقنة من الناحية الشكلية، تفتقد إلى الروح والإحساس الذي يميز الشعر الحقيقي. وصف الأبيات بأنها “كلمات مرصوصة بعناية”، لكنها تفتقر إلى “الارتجاف الداخلي” الذي يجعل القصيدة تنبض بالحياة. كما لاحظ أن بعض التراكيب والصور كانت مألوفة بشكل مريب، وكأنها مجرد تكرار لنماذج موجودة مسبقًا. يثير هذا جدلاً حول العلاقة بين الإبداع والمعنى.
رد الذكاء الاصطناعي: دفاع عن “الكذب الفني”
في جولة لاحقة، اتهم الشاعر ولد إدوم البرنامج بـ”الكذب” في وصفه لبعض الأبيات بأنها تحمل معاني عميقة، مؤكدًا أنها تفتقر إلى الإحساس الحقيقي. رد برنامج “جيميناي 3.0 برو” على هذا الاتهام بحجج نقدية، مستشهدًا بمقولات كلاسيكية مثل “أعذب الشعر أكذبه”. لكن الشاعر رأى أن هذا الرد يكشف عن محدودية وعي البرنامج بالسياق التاريخي والجمالي لهذه المقولات. ومع ذلك، أظهر البرنامج ذكاء لغويًا ملحوظًا في صياغة دفاعه.
يُظهر هذا التفاعل التحديات التي تواجه الذكاء الاصطناعي في فهم وتعقيد الجوانب الإنسانية المعقدة التي تشكل جوهر الأدب والشعر. هل يمكن للآلة أن تحل محل الشاعر في إنتاج أعمال فنية ذات قيمة إبداعية حقيقية، أم أنها ستظل مجرد أداة تساعد الشاعر على إطلاق العنان لإبداعه؟
التقييم النهائي والآفاق المستقبلية
في تقييمه النهائي للتجربة، منح الشاعر محمد ولد إدوم السجال 6 من 10، واصفًا إياه بأنه “نصف العلامة زائد واحد”. أكد على تميز البرنامج في الشكل، لكنه أشار إلى قصوره في المعنى والإحساس. هذا التقييم يسلط الضوء على الحاجة إلى تطوير نماذج الذكاء الاصطناعي، مع التركيز على تعزيز قدرتها على فهم السياقات الثقافية والاجتماعية، والتعبير عن المشاعر الإنسانية المعقدة.
من المتوقع أن تشهد السنوات القادمة تطورات كبيرة في مجال الذكاء الاصطناعي، مما قد يؤدي إلى ظهور نماذج أكثر تطورًا قادرة على إنتاج أعمال أدبية وفنية ذات جودة أعلى. ومع ذلك، يظل السؤال حول ما إذا كانت هذه النماذج ستتمكن من تجاوز حدود البرمجة، وخلق أعمال فنية حقيقية تنبض بالحياة والإحساس، سؤالًا مفتوحًا.






