في كل رمضان، تتكرر الشكوى من شعور الرجال بالتعب والفتور الجسدي، مع ميل للحكم السريع بأن “التستوستيرون هبط بسبب الصيام”. التستوستيرون، الهرمون الجنسي الذكري الرئيسي، يلعب دورًا حيويًا في تطور الخصائص الذكورية، من كتلة العضلات إلى الرغبة الجنسية. لكن هل يعاني الرجال حقًا من “انهيار هرموني” كل عام؟ تشير الأدلة العلمية إلى أن الصورة أكثر تعقيدًا، وأن الصيام نفسه ليس بالضرورة المتهم الرئيسي.

الواقع العلمي يبتعد عن فكرة أن ساعات الجوع تهبط “بطارية الرجولة” بشكل جذري. الدراسات توضح أن تأثير الصيام على التستوستيرون ليس بالانهيار الذي قد يعتقده البعض. العوامل المؤثرة غالبًا ما تكون مرتبطة بنمط الحياة خلال الشهر الفضيل: كيفية النوم، وماذا نأكل، وكيف نتحرك، وكيف ندير التوتر.

لا انهيار هرموني في الصيام

دراسة نُشرت في مجلة “Nutrients” عام 2022 أشارت إلى أن الصيام المتقطع قد يخفض مؤشرات هرمون الأندروجين، بما في ذلك التستوستيرون، لدى الرجال النشطين بدنيًا. ومع ذلك، تظل هذه التغيرات ضمن النطاق الفسيولوجي الطبيعي ولم تؤدِ في الدراسات المتاحة إلى تراجع ملموس في الكتلة العضلية أو القوة.

فيما يتعلق بصيام رمضان تحديدًا، وجدت دراسة من عام 2005 نُشرت في “المجلة الصحية لشرق المتوسط” انخفاضًا محدودًا في مستويات التستوستيرون لدى الشباب الصائمين، ولكنه ضمن الإطار الفسيولوجي الطبيعي ودون تغيرات دائمة. على النقيض من ذلك، تظهر الأبحاث على تقييد السعرات الحرارية الحاد والمزمن، مثل الأنظمة الغذائية القاسية واضطرابات الأكل، انخفاضًا كبيرًا في التستوستيرون، وهو وضع يختلف تمامًا عن صيام رمضان مع وجبتي إفطار وسحور متوازنتين.

الخلاصة العلمية تؤكد عدم وجود دليل قوي على أن صيام رمضان المنضبط يؤدي إلى “انهيار الرجولة”. بدلًا من ذلك، هناك أدلة أقوى تشير إلى أن السمنة، قلة النوم، والتوتر المزمن هي عوامل ت pressione على هرمون التستوستيرون بشكل كبير.

لا يوجد دليل على أن صيام رمضان المنضبط يسبب “انهيار الرجولة” (شترستوك)

لماذا يشعر بعض الرجال بفتور في رمضان؟

مستوى التستوستيرون ليس ثابتًا؛ فهو يبلغ ذروته في الصباح وينخفض مساءً، ويتأثر بشكل مباشر بالنوم والتغذية والضغط النفسي. وجدت دراسة نشرت في مجلة JAMA عام 2011 أن تقليل ساعات النوم إلى حوالي 5 ساعات يوميًا لمدة أسبوع أدى إلى انخفاض ملحوظ في التستوستيرون، مصحوبًا بشعور واضح بتراجع الطاقة والحيوية.

في سياق رمضان، ما يتغير لدى العديد من الرجال ليس الهرمون نفسه في المقام الأول، بل الظروف المحيطة به. يتشتت نمط النوم بين السهر ليلاً والنوم المجزأ نهارًا، وقد يمتد السهر لما بعد الفجر. كما يزداد استهلاك السكريات والأطعمة المقلية ليلاً، مما قد يؤدي إلى زيادة الوزن بدلًا من انخفاضه. عند تراكم هذه العوامل، يصبح الشعور بالتعب والفتور أمرًا مفهومًا، حتى لو كانت مستويات التستوستيرون طبيعية. السؤال الحقيقي هو: هل المتهم هو الصيام أم نمط الحياة العام؟

نتيجة فحص هرمون التستوستيرون مع عينة دم في أنبوب اختبار في يد طبيب في مختبر طبي
التستوستيرون ليس رقما ثابتا في ورقة تحليل (شترستوك)

دهون البطن.. العدو الهادئ لهرمون الرجولة

السمنة، وخاصة الدهون الحشوية في منطقة البطن، ليست مجرد مشكلة جمالية بل مشكلة هرمونية وأيضية. أظهرت دراسات في مجلة “الغدد الصماء والتمثيل الغذائي” أن الدهون الحشوية ترتبط بزيادة نشاط إنزيم الأروماتاز، الذي يحول جزءًا من التستوستيرون إلى إستروجين، مما يساهم في خفض هرمون الذكورة.

في المقابل، خلصت دراسة حديثة نُشرت عام 2024 في مجلة Cureus إلى أن فقدان الوزن، وخاصة خفض مؤشر كتلة الجسم والدهون الحشوية، يرتبط بارتفاع ملحوظ في مستويات التستوستيرون وتحسن التوازن الأيضي لدى الرجال الذين يعانون من السمنة. هنا تظهر مفارقة رمضان؛ يمكن أن يكون فرصة لتحسين الوزن والصحة الأيضية، أو موسمًا لتكديس السكريات والمقالي وزيادة محيط الخصر. من الناحية الهرمونية، تعد دهون البطن عاملًا فعالًا يخفض التستوستيرون ويرفع مخاطر الإصابة بالسكري وأمراض القلب.

القواعد الذهبية الأربع لحماية هرموناتك في رمضان

1- النوم أولًا.. لا رجولة بلا نوم

النوم العميق هو الوقت الذي ينتج فيه الجسم أكبر قدر من التستوستيرون. عندما تتحول ليالي رمضان إلى سهر طويل، فأنت عمليًا تغلق مصنع الهرمون في جسدك. حاول الحصول على حوالي 7 ساعات نوم إجمالية (ليلًا وقيلولة) قدر المستطاع، وجعل الجزء الأعمق من نومك قبل الفجر. قلل من التعرض للشاشات والمنبهات في الساعات التي تسبق النوم.

رجل وسيم نائم في سريره ليلاً
النوم العميق والمريح يساعد على إنتاج هرمون التستوستيرون (شترستوك)

2- طبق ذكي لا إفطار اندفاعي

ما تضعه في طبقك هو “المواد الخام” لهرموناتك. في كل إفطار وسحور، احرص على تناول بروتين كافٍ (بيض، ألبان، بقوليات، لحوم غير مقلية)، دهون صحية (زيت الزيتون، مكسرات، أسماك دهنية)، وخضروات غنية بالألياف لدعم الشبع وتقليل اندفاع السكر. اجعل الحلويات والمقالي استثناءً لا قاعدة.

منتجات غذائية غنية بالبروتين. نظام غذائي عالي البروتين
ما تضعه في طبقك هو “المواد الخام” لهرموناتك (شترستوك)

3- تمارين المقاومة.. الحديد الذي يصون رجولتك

تشير مراجعات في فسيولوجيا الجهد البدني إلى أن تمارين المقاومة ترفع مستويات التستوستيرون لفترة قصيرة بعد الجلسة، وتحافظ على الكتلة العضلية وحساسية الإنسولين على المدى الطويل. في رمضان، يُنصح بحصتين أو ثلاث حصص مقاومة أسبوعيًا، ويفضل أن تكون قبل الإفطار بساعة أو بعده بساعتين. تجنب الجمع بين صيام طويل وتمرين عنيف جدًا وإفطار ثقيل وسهر.

منظر جانبي لرجل رياضي شاب قوي واثق يرتدي قميصًا أبيض وسروالًا قصيرًا أسود يقوم بتمارين الضغط على الأرض للإحماء داخل صالة الألعاب الرياضية. مفهوم الرياضة في التمرين.
حصتان أو ثلاث من تمارين المقاومة كل أسبوع تكفي للمحافظة على هرموناتك الذكورية (شترستوك)

4- قلل التوتر.. الكورتيزول ليس صديقك

الضغط النفسي المزمن يرتبط باضطراب المحور الهرموني وارتفاع هرمونات التوتر. في رمضان، قد يأتي الضغط من محاولة “النجاح في كل شيء” في وقت محدود. خصص وقتًا للهدوء، لجلسة عائلية دافئة، للقراءة، أو لمجرد دقائق من التنفس العميق. هذا ليس رفاهية، بل جزء أساسي من حماية توازنك الهرموني.

ماذا عن الحقن الهرمونية؟

تحذر الهيئات التنظيمية مثل إدارة الغذاء والدواء الأمريكية (FDA) من استخدام علاج التستوستيرون دون وجود أعراض واضحة لنقص الهرمون ومستوى منخفض مثبت مخبريًا في عدة قياسات صباحية. في بيان أمان عام 2015، أشارت FDA إلى احتمال زيادة مخاطر الجلطات القلبية والدماغية للمستخدمين. الحقن ليست حلًا سحريًا للشعور بالفتور الناتج عن السهر وتراكم السكريات وقلة الحركة، وقد تضر برجل يتمتع بهرموناته طبيعيًا.

قوارير ستيرويد التستوستيرون عديدة مع حقنة تستند إلى الأمام على خلفية سوداء، ستيرويد ابتناعي لنمو العضلات، تركيز انتقائي، رسم ثلاثي الأبعاد
الحقن ليست الحل المناسب لمعالجة الفتور والإرهاق (شترستوك)

برنامج رمضان الهرموني للرجل

بدلًا من التساؤل “ماذا يفعل الصيام بهرموناتي؟”، من الأدق أن نسأل “كيف أتعامل أنا مع رمضان؟”. خطة مختصرة لضمان صحة هرمونية جيدة تشمل: نحو 7 ساعات نوم يوميًا، تمارين مقاومة مرتين أو ثلاث أسبوعيًا، إفطار وسحور متوازنان (بروتين، دهون صحية، خضروات)، تقليل السكريات والمقالي، وتفادي السهر الثقيل. إذا استمرت الأعراض بعد رمضان رغم تعديل هذه العوامل، يُنصح باستشارة طبيب متخصص. في النهاية، لا توجد “مؤامرة بيولوجية” ضد الرجولة في رمضان؛ التستوستيرون يتأثر بشدة بنمط الحياة خلال الشهر. رمضان يمكن أن يكون شهر فوضى هرمونية أو فرصة سنوية لإعادة ضبط الصحة الجسدية والنفسية، والفرق بينهما يحدده الفرد من خلال عاداته.

شاركها.