تصاعدت التوترات الدبلوماسية بين الولايات المتحدة والدنمارك بشأن جزيرة غرينلاند، بعد محادثات في البيت الأبيض لم تسفر عن توافق في وجهات النظر. وأكدت كوبنهاغن رفضها القاطع لأي محاولة أمريكية للسيطرة على الجزيرة، مع تأكيدها على حق شعب غرينلاند في تقرير مصيره. وتأتي هذه الخلافات في ظل اهتمام متزايد بالمنطقة القطبية الشمالية وأهميتها الجيوسياسية والاقتصادية.
الأهمية الاستراتيجية لـ غرينلاند وتصاعد التوتر مع واشنطن
أعربت الدنمارك عن قلقها العميق إثر مناقشات مع مسؤولين أمريكيين حول مستقبل جزيرة غرينلاند، أكبر جزيرة في العالم. وشدد وزير الخارجية الدنماركي، لارس لوك راسموسن، على أن وحدة الأراضي الدنماركية وحق شعب غرينلاند في تقرير مصيره يمثلان “خطًا أحمر” لا يمكن المساس به. هذا الموقف جاء ردًا على استمرار الحديث الأمريكي عن إمكانية زيادة النفوذ في المنطقة.
جذور الاهتمام الأمريكي
لم يكن الاهتمام الأمريكي بغرينلاند وليد اللحظة، بل يعود إلى عقود مضت. ففي عام 1946، قدمت إدارة الرئيس هاري ترومان عرضًا لشراء الجزيرة من الدنمارك مقابل 100 مليون دولار، وهو العرض الذي رفضته كوبنهاغن. لاحقًا، وفي عام 2019، أثار الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب جدلاً واسعًا باقتراحه شراء الجزيرة، وهو ما وصفته رئيسة الوزراء الدنماركية آنذاك، ميته فريدريكسن، بأنه “غير بناء”.
وتكمن الأهمية الاستراتيجية لغرينلاند في موقعها الجغرافي الفريد، حيث تستضيف قاعدة “ثول” الجوية الأمريكية، وهي منشأة عسكرية حيوية لعبت دورًا هامًا في أنظمة الإنذار المبكر خلال الحرب الباردة، ولا تزال ذات أهمية كبيرة في الوقت الحاضر. تعتبر القاعدة نقطة مراقبة رئيسية للصواريخ الباليستية العابرة للقارات.
القطب الشمالي: منطقة ذات أهمية جيوسياسية متزايدة
إضافة إلى الأهمية العسكرية، تزداد الأهمية الجيوسياسية والاقتصادية لغرينلاند بشكل ملحوظ في السنوات الأخيرة. فمع تسارع وتيرة التغير المناخي وذوبان الجليد في القطب الشمالي، تفتح ممرات ملاحية جديدة، مثل الممر الشمالي الغربي، مما يقلل من المسافات بين آسيا وأوروبا وأمريكا الشمالية، ويغير خريطة التجارة العالمية.
علاوة على ذلك، تشير التقديرات إلى أن غرينلاند غنية بالموارد الطبيعية الهائلة، بما في ذلك النفط والغاز والمعادن النادرة، مثل النيوديميوم والبراسيوديميوم، والتي تعتبر ضرورية لإنتاج التكنولوجيا المتقدمة والطاقة المتجددة. هذه الموارد تجعل الجزيرة هدفًا جذابًا للاستثمار والتنافس الدولي.
ولا تقتصر المنافسة على الولايات المتحدة والدنمارك، بل تشمل أيضًا قوى عالمية أخرى. تعزز روسيا من وجودها العسكري في القطب الشمالي، بينما تعتبر الصين نفسها “دولة شبه قطبية” وتسعى إلى توسيع نفوذها من خلال مبادرة “الحزام والطريق” القطبية. هذا التنافس المتزايد يزيد من أهمية الحفاظ على الاستقرار في المنطقة.
ردود الفعل والمحاولات الدبلوماسية
تؤكد كوبنهاغن أن مستقبل جزيرة غرينلاند يجب أن يحدده شعبها، البالغ عددهم حوالي 56 ألف نسمة، من خلال ممارسة حقهم في تقرير المصير. وتدعم الدنمارك بشكل كامل الحكم الذاتي الذي تتمتع به غرينلاند.
في محاولة لتهدئة التوترات الدبلوماسية، اتفق الجانبان الأمريكي والدنماركي على تشكيل لجنة مشتركة لمناقشة هذه الخلافات والبحث عن حلول خلال الأسابيع القادمة. تهدف هذه اللجنة إلى استعادة الثقة وتعزيز التعاون بين البلدين في المنطقة القطبية الشمالية.
في الوقت نفسه، تشهد المنطقة القطبية الشمالية مناورات عسكرية متواصلة بمشاركة قوات أوروبية، مما يعكس حالة التأهب العالية والأهمية المتزايدة لأمن هذه المنطقة الاستراتيجية. وتشمل هذه المناورات تدريبات على عمليات البحث والإنقاذ، ومكافحة التلوث، وحماية الممرات الملاحية الجديدة.
من المتوقع أن تستمر اللجنة المشتركة في اجتماعاتها خلال الأسابيع القادمة، وأن تقدم تقريرًا عن نتائجها في موعد أقصاه نهاية الشهر. يبقى من غير الواضح ما إذا كانت ستتمكن من التوصل إلى حلول مرضية للطرفين، ولكن من المؤكد أن مستقبل غرينلاند والمنطقة القطبية الشمالية سيظل محل اهتمام ومراقبة دقيقة.






