بينما نجح قطاع التجارة الرقمية في تجاوز العديد من التحديات خلال العقد الماضي، تشير التوقعات نهاية عام 2025 إلى أنه قد يصبح ساحة صراع رئيسية بين دعاة التجارة الحرة وأصحاب النزعة الحمائية. يتصاعد التوتر بشكل خاص بين الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي حول قضايا حرية التعبير ومفهوم “السيادة الرقمية”، مما يهدد بفرض قيود على تدفق البيانات والخدمات عبر الأطلسي.

هذا التحول لا يمثل خلافًا تقنيًا بسيطًا، بل هو نزاع هيكلي حول من يضع القواعد التي تحكم الاقتصاد الرقمي العالمي. تعتبر التجارة الرقمية حاليًا من أسرع القطاعات نموًا وأكثرها تأثيرًا في ميزان القوة الاقتصادية العالمي، مما يجعل هذه القضية ذات أهمية بالغة.

انتقال الخلاف من التنظيم إلى السياسة

أثار قرار الولايات المتحدة مؤخرًا فرض قيود على تأشيرات دخول خمسة مواطنين من الاتحاد الأوروبي ردود فعل قوية، حيث يعتبر هذا الإجراء تصعيدًا ملحوظًا في الخلاف المتصاعد. ووفقًا لتحليل اقتصادي، يمثل هذا الإجراء “جبهة جديدة” في الصراع حول حرية التعبير وجهود الاتحاد الأوروبي لتعزيز السيادة الرقمية.

من بين أبرز الشخصيات المستهدفة تييري بريتون، المفوض الأوروبي السابق، والذي لعب دورًا محوريًا في صياغة “قانون الخدمات الرقمية” الأوروبي الذي يهدف إلى تنظيم شركات التكنولوجيا الكبرى. يُنظر إلى هذه الخطوة على أنها استهداف مباشر لأحد كبار المسؤولين الذين يقودون جهود التنظيم الأوروبي.

يشير الخبراء إلى أن هذا الاستهداف يعكس انتقالًا للخلاف من مجرد مناقشات تنظيمية وفنية إلى مستوى سياسي مباشر، مما يزيد من احتمالية التصعيد المتبادل بين الجانبين. قد يؤدي هذا إلى تبني إجراءات مضادة من الاتحاد الأوروبي، مما يؤثر سلبًا على العلاقات التجارية.

أكثر من 400 مليار دولار من التجارة تحت الضغط

تُظهر البيانات الاقتصادية أن هذا التصعيد قد يؤثر على حجم كبير من الصفقات التجارية. تشير مذكرة بحثية حديثة إلى أن النزاع المتصاعد يمكن أن يؤثر على أكثر من 400 مليار دولار من التجارة العابرة للأطلسي في الخدمات الرقمية، مما يثير مخاوف بشأن التباطؤ الاقتصادي المحتمل.

تشمل هذه التجارة مجموعة واسعة من الخدمات المقدمة رقميًا بين الولايات المتحدة ودول الاتحاد الأوروبي، بما في ذلك خدمات تكنولوجيا المعلومات والاتصالات، والمنصات الرقمية، وخدمات المحتوى، والإعلانات عبر الإنترنت. أي قيود على هذه الخدمات يمكن أن يكون لها تأثير كبير على الشركات والمستهلكين على كلا الجانبين.

تُظهر بيانات منظمة التجارة العالمية أن التجارة الرقمية هي أسرع قطاعات تجارة الخدمات نموًا على مستوى العالم. هذا النمو السريع يجعل القضايا المتعلقة بالتنظيم والسيادة الرقمية أكثر أهمية ويثير مناقشات حول مستقبل التجارة العالمية.

صراع الرؤى حول السيادة الرقمية

يأتي هذا التوتر في وقت تتبنى فيه إدارة الرئيس الأميركي الحالي نهجًا أكثر دعمًا لشركات التكنولوجيا الكبرى، معتبرة أن التنظيمات الأوروبية تمييزية وتعيق قدرتها التنافسية. يطالب الجانب الأميركي بمعاملة أكثر إنصافًا لشركاته في السوق الأوروبية.

في المقابل، يؤكد مسؤولو الاتحاد الأوروبي أن سياساتهم الرقمية تعتمد على مبدأ السيادة، والذي يسمح لهم بسن القوانين التي تحمي المستهلكين وتعزز حرية التعبير ضمن إطار قانوني واضح. يعتبرون أن هذه السياسات ضرورية لضمان بيئة رقمية عادلة وآمنة.

ويعتقد خبراء الاقتصاد أن هذا الصراع حول السيادة الرقمية يمثل تحديًا كبيرًا للعلاقات التجارية عبر الأطلسي. تسعى كل من الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي إلى الحفاظ على مصالحهما الخاصة، مما يجعل التوصل إلى اتفاق مشترك أمرًا صعبًا. تعقيد مسألة حماية البيانات، وهي قضية رئيسية أخرى، يزيد من حدة النزاع.

من المتوقع أن تستمر المناقشات حول هذه القضايا خلال الاجتماع الوزاري لمنظمة التجارة العالمية المقرر عقده في الكاميرون في أواخر شهر مارس/آذار من العام القادم. ستكون هذه فرصة مهمة للدول الأعضاء لمناقشة القواعد العالمية للتجارة الرقمية ومحاولة التوصل إلى حلول مشتركة. ومع ذلك، لا يزال من غير الواضح ما إذا كان سيتم التوصل إلى اتفاق، نظرًا للاختلافات العميقة في الرؤى بين الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي.

شاركها.