بعد أكثر من ست سنوات على بداية جائحة “كوفيد-19″، عاد الجدل الدولي إلى الواجهة حول منشأ كوفيد-19 بعدما تبنى البيت الأبيض بشكل صريح فرضية تسرب فيروس من مختبر في ووهان. يأتي ذلك وسط وثائق استخبارية وتقارير برلمانية أثارت نقاشا جديدا بين من يرى أن الحادث المختبري التفسير الأكثر ترجيحا ومن يعتبر الانتقال الحيواني الاحتمال الأرجح.

بحسب صفحة رسمية نشرها البيت الأبيض، استندت الممانعة إلى استنتاجات لجنة فرعية في مجلس النواب الأمريكي وتقارير صدرت عن أجهزة استخباراتية، لكن القضايا العلمية والبيانات الميدانية ما زالت تعاني من فراغات كبيرة تحول دون حسم نهائي لأصل الفيروس.

منشأ كوفيد-19: موقف البيت الأبيض والتقارير الاستخباراتية

عرض البيت الأبيض على موقعه الرسمي مجموعة نقاط اعتبرها مؤيدة لفكرة تسرب محتمل من مختبر مرتبط بأبحاث في ووهان، مستندا في ذلك إلى تقرير نهائي للجنة مختارة بمجلس النواب صدر في ديسمبر/كانون الأول 2024 ووثائق نشرت لاحقا من مكتب مدير الاستخبارات الوطنية في يونيو/حزيران 2026. في المقابل، تشير تقييمات استخباراتية سابقة إلى انقسام بين فرضية الانتقال الحيواني والحادث المختبري.

من الناحية السياسية، عزز نشر هذه الوثائق موقف الجهات التي تطالب بمزيد من الشفافية والوصول إلى سجلات المختبرات والسجلات الصحية للعاملين، بينما دعت جهات علمية إلى تحقيقات مستقلة ومحايدة تعتمد تبادل بيانات واسعاً.

الحجج الخمس التي عرضها البيت الأبيض حول التسرب المختبري

الخصائص البيولوجية غير الاعتيادية

أشار البيت الأبيض إلى أن بعض خواص الفيروس بدت غير مألوفة، وهو ما اعتبره مؤشرا على احتمال ارتباطه بأبحاث مختبرية. ومع ذلك، بدا هذا الطرح مثارا للنقاش العلمي؛ إذ خلصت دراسات مبكرة مثل ورقة نُشرت في “نيتشر ميديسن” إلى أن الفيروس لا يبدو معدلاً عمدا، وفق تقييمات جينية متاحة آنذاك.

دلالة انتقال واحد أو محدد

استندت حجة أخرى إلى أن الأنماط الجينية تبدو منحدرة من حدث انتقال واحد إلى البشر، في حين أن دراسات وبائية أخرى أفادت بوجود سلالتين مبكرتين وربطت بؤر أولية في سوق هوانان، مما يجعل تفسير سيناريوهات متعددة قابلا للنقاش.

وجود مختبر متخصص في ووهان

حجج تؤكد أن وجود معهد ووهان لعلم الفيروسات في نفس مدينة ظهور التفشي يعزز احتمال وقوع حادث مرتبط بالأبحاث. من ناحية أخرى، لم تظهر أدلة مباشرة تُثبت أن المعهد كان يملك قبل الجائحة نسخة من الفيروس نفسه أو سلفًا قريبًا بما يكفي ليكون مصدرًا مباشرا.

أعراض مرض لدى باحثين قبل التفشي

تضمنت الادعاءات إشارات إلى إصابات غير محددة لدى بعض العاملين في خريف 2019، لكن التقييمات الاستخباراتية أشارت إلى أن الأعراض غير كافية لتأكيد إصابات بكوفيد-19، ويمكن أن تتطابق مع نزلات برد أو حساسية.

غياب الحيوان الوسيط

حجة خامسة تركزت على عدم العثور حتى الآن على حيوان وسيط يحمل الفيروس الأصلي، مما اعتبرته إدارة البيت الأبيض فجوة في دعم فرضية الانتقال الطبيعي. ومع ذلك، أثبتت تجارب تاريخية أن تتبع أصل بعض الأمراض الحيوانية قد يستغرق سنوات أو يبقى غامضا.

التقييمات العلمية ومنظمة الصحة العالمية

في تقييم مستقل صدر عن المجموعة الاستشارية العلمية لمنظمة الصحة العالمية في يونيو/حزيران 2025، رُجّحت فرضية الانتقال من الحيوان إلى الإنسان كالتفسير الأكثر دعما بالبيانات المتاحة. ومع ذلك أكدت المنظمة أنها لم تحصل على بعض السجلات الأساسية لتمكن من استبعاد حادث مختبري بشكل قاطع.

أبحاث علمية منشورة في مجلات مرموقة ناقشت تنوع السلالات المبكرة وأرجعت دور سوق هوانان في تضخيم الانتشار، في حين بقيت الفجوة الكبرى هي العثور على حيوان وسيط أو على دليل قاطع داخل مختبر يثبت وجود “السلف” الفيروسي.

التداعيات السياسية والعلمية وما يجب مراقبته

أعاد النقاش الأخير اتهامات سياسية وصلت إلى توجيه انتقادات لشخصيات علمية وسياسية بارزة، بما في ذلك نقاشات حول دور بعض المموّلين والباحثين وامتناع مسؤولين عن الإفصاح الكامل. ومع ذلك، لم تفضِ التحقيقات حتى الآن إلى أدلة إدانة جنائية بخصوص أصل الجائحة.

على الصعيد العلمي، يبقى المطلوب الوصول إلى سجلات مختبرات وبيانات ميدانية وجينية إضافية، إضافة إلى دراسات وبائية متعمقة وتحليل أوسع لعلاقات السلالات المبكرة. لذلك، من المتوقع أن تتركز الخطوات المقبلة على طلبات إفصاح جديدة وتعاون علمي دولي يجمع بيانات مقارنة.

خاتمة وتوقعات مستقبلية

يبقى سؤال منشأ كوفيد-19 مفتوحًا بين أدلة داعمة لكل من فرضيتي التسرب المختبري والانتقال الحيواني، بسبب ثغرات معلوماتية وسياسية بقدر ما هي علمية. في المستقبل القريب، يجب مراقبة أي إفراج عن سجلات مختبرية أو صحية، وكذا نتائج دراسات جينية وبائية جديدة قد تغير موازين الاحتمال خلال الأشهر المقبلة.

شاركها.