وصل البابا ليو الرابع عشر إلى لبنان يوم الأحد، مُفتتحًا النصف الثاني من أول رحلة دولية له كبابا بعد ثلاثة أيام قضاها في تركيا تميزت بدعوات إلى الوحدة والسلام وتجديد العلاقات بين المجتمعات المسيحية. وتأتي زيارة البابا ليو الرابع عشر إلى لبنان في وقت حرج بالنسبة للبلاد، حيث يواجه المسيحيون فيها تاريخًا طويلاً من الحروب وعدم الاستقرار وموجة هجرة غيّرت التركيبة السكانية للبلاد.
أهمية زيارة البابا ليو الرابع عشر إلى لبنان
كان لبنان في السابق دولة ذات أغلبية مسيحية، وهو توازن انعكس في تعداد السكان عام 1932 الذي سجل المسيحيين كأكثر من نصف السكان. ولم يتم إجراء تعداد رسمي منذ ذلك الحين، لكن الدراسات الديموغرافية والتقديرات المستقلة تظهر تحولًا كبيرًا على مدى القرن الماضي. ووفقًا لتقديرات رويترز، يُعتقد الآن أن المسيحيين يشكلون حوالي ثلث سكان لبنان، وهو انخفاض ناتج عن الهجرة والصراع وتغير معدلات المواليد.
تركيز البابا على الوحدة والسلام
أفاد جي بي دي غانس، مؤسس ورئيس Communio، أن اختيار تركيا ولبنان كأول وجهتين للبابا هو أمر مقصود. وأشار إلى أن البابا ليو الرابع عشر اختار هاتين الدولتين على الأرجح للتأكيد على موضوعين رئيسيين في فترة حكمه البابوي، وهما الوحدة والسلام. وأضاف أن البابا قد أولى اهتمامًا كبيرًا بالوحدة والسلام منذ انتخابه في المجمع المكون.
يمثل لبنان الجزء الأكثر عاطفية من الرحلة. كانت آخر زيارة بابوية إلى لبنان في عام 2012. وكان البابا فرانسيس يأمل في السفر إلى هناك، لكنه لم يتمكن من القيام بالرحلة بسبب مخاوف صحية. غالبًا ما يوصف لبنان بأنه يضم أكبر نسبة من المسيحيين في الشرق الأوسط، ومع ذلك، فقد دمرت هذه المجتمعات بسبب الانهيار الاقتصادي والشلل السياسي والهجرة الجماعية على مدى العقد الماضي.
جدول أعمال الزيارة ومحطات رئيسية
يتضمن جدول أعمال البابا اجتماعات مع القادة السياسيين ورجال الدين المسيحيين والمسلمين والعائلات المتضررة من الأزمات الوطنية المتداخلة. وستكون زيارة ميناء بيروت في 2 ديسمبر/كانون الأول لحظة محورية، وهو موقع الانفجار الذي وقع عام 2020 وأودى بحياة أكثر من 200 شخص وجرح الآلاف. ومن المتوقع أن تجذب زيارته إلى هذا المكان اهتمامًا كبيرًا في بلد لا يزال الكثيرون فيه يطالبون بالمساءلة عن الانفجار.
تشير التقارير الإعلامية المحلية إلى أنه من المتوقع توافد حشود كبيرة على الرغم من المشاكل العميقة في البنية التحتية والتحديات الأمنية المستمرة. ويأتي وصول البابا في خضم واحدة من أكثر الفترات اضطرابًا في لبنان منذ سنوات، مع تبادل إطلاق النار بشكل متكرر على طول الحدود الجنوبية طوال عامي 2024 و 2025 بين حزب الله والقوات الإسرائيلية. وقد أدت الاشتباكات إلى نزوح السكان وأثارت مخاوف بشأن صراع أوسع، مما أثار تساؤلات حول ما إذا كان هذا الوضع قد يجبر على إجراء تغييرات في اللحظة الأخيرة على مسار البابا.
التحديات الأمنية والتركيز على المجتمعات المسيحية
أكد المتحدث باسم الفاتيكان، ماتيو بروني، في تصريحات لـ EWTN Vatican أن الجدول الزمني لا يزال ساريًا. وأضاف أن “الوضع كان معروفًا بالفعل حتى قبل بضعة أشهر، وتم اتخاذ جميع الاحتياطات اللازمة”. وأشار دي غانس إلى أن الجزء المتعلق بلبنان من الرحلة يؤكد تركيز البابا على المسيحيين في المناطق الأكثر ضعفًا. وأوضح أن البابا أضاف لبنان إلى هذه الرحلة لأن العديد من المجتمعات المسيحية – سواء تلك التي تتمتع بالتواصل الكامل مع روما أو تلك التي تنتمي إلى الكنيسة الأرثوذكسية الشرقية – تعاني في منطقة مزقتها الحرب.
وأضاف أن الرحلة تهدف أيضًا إلى جذب الانتباه الدولي إلى المجتمعات التي غالبًا ما يتم تجاهلها. وتابع أن البابا ليو الرابع عشر يريد على الأرجح استخدام منبر البابوية لجلب رسالة سلام تدعو أيضًا إلى دعم إخواننا وأخواتنا المسيحيين الشرقيين الذين غالبًا ما يتم نسيانهم في الغرب.
تتماشى الموضوعات التي ظهرت في لبنان مع تلك التي تم تحديدها في تركيا، حيث دعا البابا ليو الرابع عشر إلى الحوار وسط التوترات الإقليمية. وأكد أيامه الأولى كبابا على المصالحة والتضامن والدعم للمجتمعات المسيحية التي تواجه اضطرابات سياسية واجتماعية. وشملت المراسم إحياء الذكرى السنوية الـ 1700 لمجمع نيقية الأول في إزنيق، حيث التقى البطريرك المسكوني برثلماوس الأول وقادة مسيحيين آخرين.
وأشار دي غانس إلى أهمية هذه الذكرى، موضحًا أن البابا ليو الرابع عشر اختار إحياء الذكرى السنوية الـ 1700 لمجمع نيقية، الذي يحمل أهمية تاريخية كبيرة لأنه ساعد في تحديد الحقيقة – التي لا يزال البروتستانت والكاثوليك والأرثوذكس يقبلونها – بأن يسوع المسيح هو حقًا إله وحقًا إنسان. وأضاف أن هذا المجمع الأول ساعد في تسوية هذا الجدل ويحتفل به اليوم من قبل أولئك في الشرق والغرب كخلق وحدة أكبر داخل الكنيسة بأكملها.
بالنسبة للعديد من المسيحيين اللبنانيين، تمثل زيارة البابا ليو الرابع عشر لحظة اعتراف من روما ومصدر أمل في فترة من عدم اليقين الوطني العميق. ومن المتوقع أن يواصل البابا جهوده الدبلوماسية خلال زيارته، مع التركيز على تعزيز الحوار بين الأديان ودعم الاستقرار في المنطقة. ومن المرجح أن تكون ردود الفعل على زيارته، سواء من القادة السياسيين أو السكان المحليين، حاسمة في تشكيل مسار العلاقات بين الفاتيكان ولبنان في المستقبل.






