تم توقيع اتفاقية تجارية كبرى بين الاتحاد الأوروبي ودول ميركوسور في أمريكا الجنوبية يوم السبت، بعد 25 عامًا من المفاوضات. وتعتبر هذه اتفاقية التجارة خطوة مهمة نحو تعزيز العلاقات الاقتصادية بين المنطقتين، وتفتح آفاقًا جديدة للتبادل التجاري والاستثماري. وقد أشاد مسؤولون أوروبيون بالاتفاق باعتباره انتصارًا للتجارة العادلة والتعاون طويل الأمد.

وقع الاتفاق في أسونسيون، باراغواي، بحضور رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين ورئيس المجلس الأوروبي أنطونيو كوستا. ويهدف الاتفاق إلى إزالة حوالي 90٪ من الرسوم الجمركية على السلع والخدمات بين الاتحاد الأوروبي ودول ميركوسور (الأرجنتين والبرازيل وباراغواي والأوروغواي). ومن المتوقع أن يخلق هذا الاتفاق منطقة تجارية حرة تضم حوالي 700 مليون شخص.

أهمية اتفاقية التجارة بين الاتحاد الأوروبي وميركوسور

تأتي هذه الاتفاقية في وقت يشهد فيه العالم تحولات في السياسات التجارية، حيث تتجه بعض الدول نحو الحمائية. ويرى مؤيدو الاتفاق أنه يعزز مبادئ التجارة الحرة ومتعددة الأطراف، ويقدم بديلاً للسياسات التجارية الأحادية. وبحسب تقديرات المفوضية الأوروبية، يمكن للشركات الأوروبية توفير أكثر من 4 مليارات يورو سنويًا في الرسوم الجمركية بفضل هذه الاتفاقية.

بالإضافة إلى ذلك، يهدف الاتفاق إلى حماية المنتجات الأوروبية ذات المؤشرات الجغرافية المحددة، ومنع تقليدها في أسواق ميركوسور. كما يسعى إلى تأمين إمدادات الاتحاد الأوروبي من المعادن الحيوية، وتقليل اعتماده على الصين في هذا المجال. وتشمل الفوائد المتوقعة زيادة الصادرات الأوروبية إلى دول ميركوسور بنسبة 39٪ بحلول عام 2040، وارتفاع الواردات من أمريكا اللاتينية بنسبة 16.9٪.

انقسامات داخل الاتحاد الأوروبي

لم يكن التوصل إلى هذا الاتفاق سهلاً، حيث واجه معارضة من بعض الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي، وعلى رأسها فرنسا. وتخشى فرنسا من أن الاتفاق قد يضر بالمزارعين الأوروبيين، ويعرضهم لمنافسة غير عادلة من الواردات الزراعية من أمريكا اللاتينية. ومع ذلك، تمكنت المفوضية الأوروبية من التغلب على هذه المعارضة، بعد تقديم تنازلات لفرنسا وإيطاليا.

حصلت إيطاليا على تمويل إضافي لمزارعيها ابتداءً من عام 2028، وإعفاء من ضريبة الكربون الحدودية للاتحاد الأوروبي على الأسمدة. في المقابل، حصلت فرنسا على بند حماية يسمح بإعادة فرض الرسوم الجمركية إذا زادت الواردات من ميركوسور في القطاعات الحساسة بأكثر من 5٪. كما تم تحديد سقوف لكميات الواردات من بعض المنتجات الزراعية الرئيسية، مثل اللحوم والدواجن.

المرحلة التالية: موافقة البرلمان الأوروبي

على الرغم من التوصل إلى اتفاق، فإن الطريق لم يزل طويلاً. فالآن، الكرة في ملعب البرلمان الأوروبي، الذي يجب أن يوافق على الاتفاقية حتى تدخل حيز التنفيذ. ومن المتوقع أن يكون التصويت في البرلمان الأوروبي حاسمًا، حيث يظل النواب منقسمين على طول الخطوط الوطنية. ويرجح أن يكون هناك تصويت قريبًا على قرار يهدف إلى الطعن في الاتفاقية أمام محكمة العدل الأوروبية.

تعتبر موافقة البرلمان الأوروبي خطوة حاسمة، ومن غير الواضح حتى الآن ما إذا كان الاتفاق سيحظى بالأغلبية اللازمة. وستراقب الأوساط الاقتصادية والسياسية عن كثب تطورات هذا الملف، وتقييم تأثيره المحتمل على العلاقات التجارية بين الاتحاد الأوروبي وأمريكا اللاتينية. من المتوقع أن يستمر الجدل حول اتفاقية التجارة هذه في البرلمان الأوروبي خلال الأسابيع والأشهر القادمة، مع احتمال إجراء تعديلات أو تقديم ضمانات إضافية لكسب تأييد المزيد من النواب.

في الختام، يمثل توقيع اتفاقية التجارة بين الاتحاد الأوروبي وميركوسور إنجازًا تاريخيًا، ولكنه يواجه تحديات سياسية وقانونية. ومن المتوقع أن يتم عرض الاتفاقية على البرلمان الأوروبي للتصويت عليها في الأشهر المقبلة، مع بقاء النتيجة غير مؤكدة. وستظل التطورات المتعلقة بـ التجارة الحرة بين المنطقتين موضع اهتمام كبير.

شاركها.