تشهد تقنيات الكشف المبكر عن السرطان تحولاً جذرياً مع ظهور اختبارات الدم متعددة السرطانات (MCED)، التي تعتمد على تحليل الحمض النووي الحر في الدم والذكاء الاصطناعي لاكتشاف الأورام قبل ظهور الأعراض، وهو تقدم قد يغير مستقبل الصحة العامة عالمياً. وأعلنت شركة غرايل بيو (Grail Bio) مؤخراً عن نتائج سريرية جديدة لاختبار غاليري 2026، تظهر قدرته على الكشف عن أكثر من 50 نوعاً من السرطان عبر خزعة دم سائلة، مع تحسين دقة تحديد موقع الورم.

يعتمد هذا الاختبار المتقدم على تحليل أجزاء الحمض النووي المتحررة من الخلايا السرطانية في مجرى الدم، مستخدماً خوارزميات تعلم آلي متطورة. الهدف هو اكتشاف السرطان في مراحله الأولية، حيث تزيد فرص العلاج والنجاة بشكل كبير.

ثورة تشخيصية في الكشف المبكر عن السرطان

في مراجعة علمية حديثة نُشرت في مجلة ذا لانسيت أونكولوجي (The Lancet Oncology)، وصف باحثون اختبارات الكشف المبكر متعددة السرطانات بأنها “طفرة محتملة في الصحة العامة”. ومع ذلك، لا تزال هذه التقنيات تواجه تحديات مهمة تتعلق بالدقة السريرية، والتكلفة، والتأثير المحتمل على برامج الفحص التقليدية.

أشار التقرير إلى أن دمج اختبارات MCED في برامج الفحص الوطنية يمكن أن يساعد في اكتشاف أنواع السرطان التي لا تخضع حاليًا للفحص الروتيني، مثل سرطان البنكرياس والمبيض والكبد. ومع ذلك، تستدعي هذه الخطوة تقييمات واسعة للتكلفة والنتائج طويلة الأمد.

من جهة أخرى، أعلنت هيئة الخدمات الصحية الوطنية في إنجلترا (NHS England) عن تحديثات بشأن برامج إدخال اختبار الدم متعدد السرطانات، وذلك ضمن تجربة وطنية تستهدف مئات الآلاف من المشاركين. تسعى بريطانيا لتقييم قدرة هذه الاختبارات على الكشف المبكر وتقليل الوفيات الناجمة عن السرطان، مع دراسة تأثيرها على أنظمة الرعاية الصحية وقرارات العلاج المبكر.

تشير الأبحاث المنشورة على ساينس دايركت (ScienceDirect) إلى أن التقدم في تحليل الحمض النووي الحر (cfDNA) والذكاء الاصطناعي قد أحدث ثورة في تشخيص الأمراض، وبخاصة السرطان. تستطيع الخوارزميات اكتشاف أنماط دقيقة يصعب على البشر ملاحظتها، مما يحسن التنبؤ بمواقع الأورام واستجابة المرضى للعلاج.

ويرى الباحثون أن دمج الذكاء الاصطناعي مع الطب الجزيئي سيحول التشخيص من مرحلة اكتشاف المرض في مراحله المتأخرة إلى مرحلة الوقاية المبكرة، مما قد يقلل بشكل كبير من تكاليف العلاج ونسب الوفيات. هذا التحول يعد جزءاً أساسياً في استراتيجيات الكشف المبكر عن السرطان.

فرص وتحديات في طريق الانتشار

على الرغم من التفاؤل المتزايد، يحذر خبراء الصحة العامة من تحديات محتملة، بما في ذلك احتمالية حدوث إيجابيات كاذبة، والقلق النفسي الذي قد ينتاب المرضى، بالإضافة إلى تكاليف إجراء الفحوصات على نطاق واسع. كما تبرز الحاجة إلى تطوير بروتوكولات واضحة للتعامل مع النتائج غير المؤكدة.

يؤكد الخبراء أيضاً أن اختبارات MCED، في الوقت الحالي، لا يمكنها أن تحل محل الفحوصات التقليدية مثل تصوير الثدي الشعاعي أو تنظير القولون. بدلاً من ذلك، يُنظر إليها كأدوات تكميلية قد تصبح جزءاً لا يتجزأ من منظومة الرعاية الصحية في المستقبل القريب.

نحو طب استباقي يعتمد على الكشف المبكر عن السرطان

يعتقد المتخصصون أن اختبارات الكشف المبكر متعددة السرطانات تمثل تحولاً جوهرياً من “طب يعالج المرض” إلى “طب يتنبأ به قبل ظهوره”. هذا التحول قد يعيد تشكيل أنظمة الرعاية الصحية خلال العقد القادم، لا سيما مع الانخفاض المستمر في تكلفة التسلسل الجيني والتطور المتسارع للذكاء الاصطناعي.

تتوقع الجهات المعنية أن تشهد السنوات القادمة مزيداً من الأبحاث والتجارب السريرية لتقييم فعالية هذه التقنيات ودمجها ضمن أنظمة الرعاية الصحية العالمية. وتظل الموازنة بين الفوائد المحتملة والتحديات القائمة هي المفتاح لتحديد مستقبل الكشف المبكر عن السرطان.

شاركها.