أثارت زيارة مؤخرة لوزير الخارجية الإسرائيلي إلى إقليم أرض الصومال، والتي تلت اعتراف إسرائيل بهذا الإقليم كدولة مستقلة، جدلاً واسعاً على المستويات السياسية والأمنية. يركز هذا التحليل على التطبيع مع إسرائيل في القرن الأفريقي، والتداعيات المحتملة على أمن البحر الأحمر، ومصالح القوى الإقليمية. تشير التقديرات إلى أن هذه الخطوة تمثل تحولاً مهماً في استراتيجية تل أبيب، وتأتي في وقت يشهد فيه الإقليم تصاعداً في التوترات.

الاعتراف بأرض الصومال، وهي منطقة تتمتع بحكم ذاتي غير معترف به دولياً، يعتبر مغامرة دبلوماسية جريئة من قبل إسرائيل. وقد أثار هذا الاعتراف تساؤلات حول الدوافع الحقيقية وراء هذه الخطوة وأبعادها الجيوسياسية، خاصةً بالنظر إلى التحديات الأمنية المتزايدة في منطقة البحر الأحمر والقرن الأفريقي.

أبعاد التطبيع مع إسرائيل في القرن الأفريقي

ترى الدكتورة أماني الطويل، مديرة البرنامج الأفريقي بمركز الأهرام للدراسات، أن إسرائيل تسعى باستمرار إلى اتباع سياسات تتجاهل السياق الأفريقي والإقليمي، حتى لو أدى ذلك إلى مواجهة مباشرة مع الدول التي لها مصالح راسخة في المنطقة. وأشارت إلى أن هذه السياسات غالباً ما تتم تحت ضوء أخضر أمريكي.

مخاطر تشجيع الحركات الانفصالية

تؤكد الدكتورة الطويل أن الخطر الأكبر يكمن في أن يصبح التطبيع مع إسرائيل أداة لشرعنة الكيانات الانفصالية، وهو ما قد يشجع حركات مماثلة أخرى في دول القرن الأفريقي، بما في ذلك السودان، على السعي للاستقلال. هذا السيناريو يهدد الاستقرار الإقليمي ويزيد من تعقيد المشهد السياسي.

في المقابل، يوضح الأكاديمي المتخصص في الشؤون الإسرائيلية، محمود يزبك، أن الاعتراف بأرض الصومال يندرج ضمن إطار أهداف أمنية محددة. وأشار بشكل خاص إلى سعي إسرائيل لتعزيز التعاون الاستخباراتي، لافتاً إلى أن فشل جهودها في إضعاف جماعة أنصار الله في اليمن دفعها إلى البحث عن موطئ قدم أقرب.

ويضيف يزبك أن الوعود الاقتصادية التي تقدمها إسرائيل لأرض الصومال لا تعدو كونها غطاءً لهذه الأهداف الأمنية والعسكرية والاستخباراتية. هذا الرأي يركز على البعد العملي والتكتيكي للخطوة الإسرائيلية، بعيداً عن الاعتبارات السياسية الأيديولوجية.

أهداف إسرائيل في البحر الأحمر

لا تتفق الدكتورة الطويل مع هذا الطرح، معتبرة أن التركيز على الجانب اليمني يقلل من أهمية الصورة الأكبر. وتشير إلى أن الهدف الحقيقي لإسرائيل يتمثل في تأمين وجود دائم في منطقة أمن البحر الأحمر والتقرب من باب المندب. يسمح هذا الموقع الاستراتيجي لتل أبيب بممارسة نفوذ يمتد إلى المحيط الهندي.

يأتي هذا السعي في ظل تعثر المبادرات الإقليمية التي استبعدت إسرائيل من أي دور في ترتيبات أمن البحر الأحمر، مما دفعها إلى البحث عن طرق بديلة لتأمين مصالحها في هذه المنطقة الحيوية. العلاقات الإسرائيلية في المنطقة تشهد تحولات كبيرة.

من ناحية أخرى، يرى يزبك أن رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو يستغل هذه الخطوة لتحقيق مكاسب سياسية وانتخابية داخلية. فهو يقدمها كإنجاز دبلوماسي يعزز صورته القيادية، خاصةً مع اقتراب موعد الانتخابات. هذا البعد المحلي يعكس أيضاً أهمية هذه الخطوة بالنسبة للسياسة الداخلية الإسرائيلية.

بشكل عام، تتفق وجهات النظر على أن الوجود الإسرائيلي في أرض الصومال مرتبط بإعادة تشكيل التحالفات في القرن الأفريقي. هذا الأمر يتقاطع مع طموحات إثيوبيا للوصول إلى البحر، ومع توازنات النفوذ المصرية، في سياق إقليمي أوسع يشمل قضايا مثل سد النهضة والحرب الأهلية في السودان. هذا التشابك في المصالح والتوترات ينذر بمرحلة جديدة من الاستقطاب الإقليمي.

تداعيات محتملة على الأمن الإقليمي

الاستقطاب الإقليمي المتوقع قد يؤدي إلى تصاعد التوترات وتزايد المنافسة بين القوى الإقليمية. يمكن أن يشمل ذلك سباق تسلح، ودعماً متزايداً للجماعات المسلحة، وتدخلات عسكرية في الدول المجاورة. القرن الأفريقي يشهد بالفعل عدم استقرار.

من المتوقع أن تشهد المنطقة في الفترة المقبلة مزيداً من المناورات الدبلوماسية والتحركات العسكرية، حيث تسعى كل دولة إلى تأمين مصالحها وتعزيز نفوذها. تطور الأوضاع في السودان، ردود الفعل العربية والإقليمية، ومواقف القوى الدولية الرئيسية، ستكون عوامل حاسمة في تحديد مسار الأمور.

في الختام، تظل التداعيات الحقيقية لاعتراف إسرائيل بأرض الصومال غير واضحة تماماً. من المرجح أن تشهد المنطقة منافسة متزايدة بين القوى الإقليمية، وأن تستمر إسرائيل في السعي لتوسيع نفوذها في القرن الأفريقي والبحر الأحمر. يتوقع مراقبون المزيد من التطورات في هذا الصدد خلال الأشهر القليلة القادمة، وخصوصاً مع اقتراب المواعيد الانتخابية في إسرائيل، وربما تجدد الجهود الدبلوماسية لحل الأزمة في السودان. مراقبة التفاعلات الإقليمية والدولية مع هذا التطور ستكون أمراً ضرورياً لفهم مساره وتحديد تأثيره على المنطقة.

شاركها.