تواجه العديد من الأمهات في المجتمعات الراقية في المدن الكبرى، مثل نيويورك، ضغوطًا اجتماعية كبيرة للحفاظ على مكانتهن في “دوائر الأمهات” الحصرية. هذه الدوائر، التي غالبًا ما تعتمد على معايير مادية واجتماعية صارمة، يمكن أن تؤدي إلى الإقصاء والشعور بالوحدة، كما هو الحال مع إيزي أنايا، وهي أم تعيش في الجانب الغربي الأعلى من مانهاتن، والتي وجدت نفسها باستمرار خارج دائرة الأمهات المؤثرات في منطقتها. هذه الظاهرة، التي أصبحت تعرف باسم “تسمم مجموعات الأمهات” (Mommy Group Toxicity)، تثير تساؤلات حول طبيعة الصداقة والاندماج الاجتماعي بين الأمهات.
تسمم مجموعات الأمهات: عندما يصبح الانتماء باهظ الثمن
وفقًا لتقرير نشره موقع “نيويورك بوست”، فإن أنايا، التي لديها ولدان في الصف الخامس في إحدى المدارس الخاصة الأكثر تميزًا في نيويورك، لا تتلقى دعوات لحضور المناسبات الاجتماعية التي تنظمها الأمهات الأخريات، مثل العشاءات أو الحفلات في أماكن مثل “زيرو بوند”. كما أنها لم تُدعَ إلى الحفل السنوي الضخم الذي يقيمه هذا النادي من الأمهات بمناسبة السوبر بول. الأمر لا يتوقف عند هذا الحد، بل تشير أنايا إلى أنها تُتجنب بشكل واضح في الفعاليات المدرسية مثل جمع التبرعات والمسرحيات.
يبدو أن سبب هذا الإقصاء ليس سلوكًا اجتماعيًا سيئًا من أنايا، ولا محاولة منها للتفوق على “ملكة النحل” في المجموعة، بل يعود إلى سبب بسيط ومثير للجدل: عدم امتلاكها منزلًا لقضاء العطلات في هامبتونز. على الرغم من أن أنايا وزوجها رجل الأعمال يمتلكان أربعة منازل حول العالم، إلا أن غياب منزل في هامبتونز يكفي لاستبعادهن من هذه الدائرة الاجتماعية المغلقة.
ضغوط اجتماعية وتوقعات غير معقولة
تصف أنايا هذا الوضع بأنه “مؤلم ومزعج”، وتساءلت عن سبب استمرار هذا النوع من السلوكيات في مجتمع يفترض أنه ناضج. وتضيف أن الأمر يتعلق بمعايير سطحية مثل لون الشعر وامتلاك منزل في هامبتونز، وأنها لا تستطيع فهم سبب استبعادها بناءً على هذه الأمور. هذه القصة ليست فريدة من نوعها، حيث كشفت الممثلة آشلي تيسديل مؤخرًا عن تجربتها المماثلة مع مجموعات الأمهات “السامة” في هوليوود.
تيسديل، في مقال لها في مجلة “ذا كات”، تحدثت عن شعورها بالضياع والإقصاء بعد أن بدأت في استبعادها من قبل مجموعة من الأمهات المؤثرات، بما في ذلك ماندي مور وهيلاري داف. وتساءلت عما إذا كانت “غير كافية” أو “غير رائعة” بما يكفي لتكون جزءًا من هذه الدائرة. هذه التجارب تسلط الضوء على الضغوط النفسية والعاطفية التي يمكن أن تتعرض لها الأمهات بسبب هذه الديناميكيات الاجتماعية.
بالإضافة إلى ذلك، تشير أنايا إلى أن رفضها إرسال أبنائها إلى المخيمات الصيفية الفاخرة التي يرتادها أطفال الأمهات الأخريات، وتفضيلها قضاء العطلات معهم في استكشاف ثقافات مختلفة، قد ساهم في عزلتها. كما أن موقفها المتساهل تجاه استخدام التكنولوجيا من قبل أبنائها، والذي يتعارض مع سياسات “مكافحة التكنولوجيا” الصارمة التي تتبعها المجموعة، أدى إلى حادثة محرجة عندما أرسلت عن طريق الخطأ رسالة نصية تنتقد المجموعة إلى المجموعة نفسها.
تأثير الإقصاء على الأطفال
للأسف، لم يقتصر تأثير هذا الإقصاء على أنايا نفسها، بل امتد ليشمل أبنائها. فقد تم استبعادهم من فعاليات اللعب والحفلات التي تنظمها الأمهات الأخريات، مما تسبب في شعورهم بالوحدة والعزلة. وتصف أنايا هذا الأمر بأنه “مؤلم لقلبها”، وتساءلت عن سبب معاقبة الأطفال بسبب خلافات الأمهات.
أما أمبر مارلو، وهي أم تعيش في وادي هدسون بولاية نيويورك، فقد تعرضت أيضًا للإقصاء من مجموعات الأمهات بسبب أسلوبها الفريد في التربية. مارلو، التي تصف نفسها بأنها “أم صارمة ولطيفة”، وجدت نفسها مستبعدة من مجموعة على فيسبوك بعد أن عبرت عن رفضها لمعاقبة طفل يبلغ من العمر 20 شهرًا بالضرب. وتقول إنها تعرضت لهجوم من قبل الأمهات الأخريات بسبب “إبداء رأيها”.
وفي حالة أخرى، تعرضت دومينيك ديفيزيو، وهي أم جديدة من ولاية نيوجيرسي، لـ”هجوم” من قبل أمهات أخريات في مجموعة على فيسبوك بعد أن أبلغت عن سرقة طرد من منزلها. بدلاً من تلقي الدعم والتعاطف، اتهمتها الأمهات الأخريات بالعنصرية وإلقاء اللوم على نفسها. هذه الحوادث تظهر أن مجموعات الأمهات يمكن أن تكون بيئة معقدة ومليئة بالصراعات، وأنها لا توفر دائمًا الدعم والتشجيع الذي تتوقعه الأمهات.
بشكل عام، يبدو أن التركيز على بناء “شبكات دعم الأمهات” (Mother Support Networks) الصغيرة والموثوقة، التي تتكون من الأصدقاء المقربين وأفراد العائلة، هو الحل الأفضل لتجنب السمية والتنافس غير الصحي الذي غالبًا ما يميز مجموعات الأمهات الأكبر حجمًا.
من المتوقع أن تستمر هذه النقاشات حول ديناميكيات مجموعات الأمهات في التصاعد، وأن تزداد الوعي بأهمية بناء علاقات صحية وداعمة للأمهات وأطفالهن. وتبقى مسألة كيفية تحقيق التوازن بين الرغبة في الانتماء الاجتماعي والحفاظ على القيم الشخصية والتربوية هي التحدي الرئيسي الذي تواجهه الأمهات في هذه البيئات المعقدة. يجب مراقبة التطورات المتعلقة بتقديم الدعم النفسي والاجتماعي للأمهات، وتشجيع بناء مجتمعات أكثر شمولاً وتقبلاً للتنوع في أساليب التربية.






