شهد معرض الإلكترونيات الاستهلاكية (CES) في لاس فيغاس، وهو تقليديًا منصة لعرض أحدث الابتكارات في صناعة السيارات، انخفاضًا ملحوظًا في مشاركة شركات تصنيع السيارات الصينية هذا العام. هذا التغيير يعكس تحولًا أوسع في مركز الثقل لصناعة السيارات العالمية نحو الصين، خاصة فيما يتعلق بتكنولوجيا السيارات الكهربائية والقيادة الذاتية. ويرى مراقبون أن هذا التحول سيغير بشكل جذري طريقة عرض السيارات وتسويقها في المستقبل.

الغياب الصيني اللافت للنظر، والذي أكده العديد من المحللين، ليس بسبب عدم وجود التكنولوجيا، بل بسبب القيود المفروضة على إطلاق المركبات في السوق الأمريكية حاليًا. كما سلط الضوء على حقيقة أن المعرض لم يعد الوجهة الاستراتيجية المثالية لهذه الشركات المتنامية. ويعزو خبراء الصناعة هذا التغيير إلى عدة عوامل، من بينها التطور السريع في التكنولوجيا الصينية وتزايد التركيز على السوق المحلي.

تراجع أهمية معارض السيارات التقليدية لصالح الصين

كانت معارض السيارات مثل CES في السابق بمثابة ساحة تنافس لشركات السيارات الغربية لإظهار قدراتها التكنولوجية، مستعارة المصداقية من وادي السيليكون. لكن هذا الوضع يتغير بسرعة، وفقًا لما قاله أندي بالمر، الرئيس التنفيذي السابق لشركة أستون مارتن لاغوندا، في تقييماته الأخيرة. فقد أصبحت التكنولوجيا المتعلقة بالسيارات – مثل الكهرباء والبرمجيات وأنظمة مساعدة السائق المتقدمة (ADAS) – الآن تقنيات صناعية راسخة وليست مجرد نماذج أولية.

التحول التكنولوجي والجغرافي

يعتقد خبراء مثل وزير النقل أن الشركات الصينية متقدمة في مجال البرمجيات المرتبطة بالقيادة الذاتية مقارنة بنظيراتها الغربية، وهو ما يفسر جزئيًا عدم مشاركتها في CES. أدى هذا التفوق التكنولوجي، جنبًا إلى جنب مع سلسلة التوريد القوية والطلب الاستهلاكي المتزايد، إلى تحويل مركز الجاذبية لصناعة السيارات إلى الصين. ونتيجة لذلك، أصبح معرض شنغهاي للسيارات، الذي يعقد بالتناوب مع معرض بكين، الحدث الأهم الذي يجب على شركات تصنيع السيارات المشاركة فيه.

وقد أشار تقرير لـ WIRED في مايو الماضي إلى أن معرض شنغهاي للسيارات لعام 2025 لم يكن مجرد معرض سيارات، بل كان بمثابة تحذير للغرب. فقد استعرضت الشركات الصينية، بعد استقطابها لأفضل المواهب الغربية في مجال السيارات، قدراتها المتفوقة في مجالات مثل سرعة الشحن ومدى البطارية والتصميم والتكنولوجيا وأحجام الإنتاج.

يضيف بالمر أن معرض شنغهاي أصبح أكثر أهمية استراتيجية من CES بالنسبة للعديد من الشركات المصنعة لأنه يمثل مكان وجود أسرع دورات الابتكار وسلاسل التوريد والطلب الاستهلاكي. وأضاف: “إذا كنت ترغب في الإشارة إلى مستقبل صناعة السيارات، فهذا هو المكان الذي يجب أن تفعل فيه ذلك بشكل متزايد”.

لم تكتفِ الشركات الصينية بعرض ابتكاراتها في الداخل، بل بدأت في البحث عن منصات بديلة في الخارج، خاصة بعد تراجع تأثير معرض جنيف للسيارات. لذلك، أصبح معرض IAA Mobility في ميونيخ، وهو الآن أكبر معرض للسيارات في أوروبا، الوجهة المفضلة. وأوضح وزير النقل أن الشركات الصينية تبحث عن منصة لعرض منتجاتها خارج الصين، وأن استثمارات الصين في IAA تجبر الشركات الأوروبية الكبرى مثل مرسيدس وبوش على المشاركة بقوة.

ويرى محللون أن دورة حياة تطوير السيارات الصينية أسرع بكثير من نظيراتها الغربية، حيث تستغرق في المتوسط ​​عامين من البحث والتطوير إلى التسليم، مقارنة بسبع سنوات للمصنعين التقليديين. وبالتالي، قد تكون المعارض السنوية غير كافية لمواكبة وتيرة التقدم في الصين. تشير التقديرات إلى أن شركة BYD، على سبيل المثال، لديها خط إنتاج كامل قيد التطوير، ومن المرجح أن تطرح منتجات جديدة في السوق قبل انعقاد المعارض القادمة.

مستقبل معارض السيارات وتكنولوجيا السيارات

أصبح CES في ذروته عندما كانت البرمجيات والواجهات والمركبات المعرفة بالبرمجيات هي محور الاهتمام في قطاع السيارات، إلى جانب تكنولوجيا السيارات الكهربائية. ولكن، وفقًا للمحللين، يتطلب استعادة مكانة CES في عالم السيارات حدوث تحول كبير آخر في تطور المركبات. يرى الخبراء أن وتيرة التغيير في الصين تتطلب متابعة دقيقة، وأن المعارض السنوية قد لا تكون كافية لمواكبة التطورات.

في المستقبل القريب، من المتوقع أن يشهد قطاع السيارات تطورات كبيرة في مجالات مثل الذكاء الاصطناعي، وأنظمة القيادة الذاتية المتقدمة، وتكامل البرمجيات. وسيبقى معرض شنغهاي للسيارات محط الأنظار لمراقبة هذه التطورات، بينما سيتعين على معارض أخرى مثل CES و IAA التكيف وتقديم قيمة مضافة لجذب شركات السيارات والمستهلكين. من الضروري مراقبة استثمارات الشركات الصينية في المعارض الدولية والاستجابة لمتطلبات السوق المتغيرة.

سيكون من المهم أيضًا ملاحظة التطورات التنظيمية في الولايات المتحدة التي قد تؤثر على قدرة الشركات الصينية على إطلاق المركبات هناك. كما يجب متابعة التقدم الذي تحرزه شركات السيارات الغربية في تطوير تقنياتها الخاصة بالسيارات الكهربائية والقيادة الذاتية، لتقييم منافستها مع الشركات الصينية.

شاركها.