أعلنت رئيسة المفوضية الأوروبية، أورسولا فون دير لاين، عن إطلاق استراتيجية “أوروبا واحدة، سوق واحدة” (One Europe, One Market). تهدف هذه المبادرة الطموحة إلى تحقيق التكامل الكامل للسوق الموحدة للاتحاد الأوروبي بحلول عام 2027، وذلك بهدف تعزيز القدرة التنافسية للكتلة في مواجهة الاقتصادين العملاقين، الولايات المتحدة والصين. يأتي هذا الإعلان استجابة لتحديات اقتصادية وجيوسياسية متزايدة تواجه دول الاتحاد.

وقد تم تقديم تفاصيل الاستراتيجية “أوروبا واحدة، سوق واحدة” خلال مؤتمر صحفي عقد في بروكسل، حيث شددت فون دير لاين على ضرورة توحيد الجهود لتمكين الشركات الأوروبية من الازدهار في سوق عالمي شديد التنافسية. الهدف الرئيسي هو خلق بيئة تنظيمية وتشغيلية موحدة تسمح بحرية حركة السلع والخدمات ورؤوس الأموال والأشخاص عبر جميع الدول الأعضاء بشكل أكثر سلاسة وكفاءة.

استراتيجية “أوروبا واحدة، سوق واحدة”: رؤية للتكامل الاقتصادي

تمثل استراتيجية “أوروبا واحدة، سوق واحدة” نقلة نوعية في مسار الوحدة الاقتصادية للاتحاد الأوروبي. فهي لا تقتصر على إزالة الحواجز القائمة، بل تتجاوز ذلك إلى بناء سوق موحدة متكاملة بشكل أعمق. ينصب التركيز بشكل خاص على قطاعات استراتيجية مثل الطاقة، والخدمات الرقمية، والصناعات التحويلية، حيث تسعى الاستراتيجية إلى خلق ظروف مواتية للابتكار والاستثمار.

تهدف هذه المبادرة إلى معالجة أوجه القصور الحالية في السوق الموحدة، والتي غالباً ما تعيق الشركات، خاصة الصغيرة والمتوسطة منها، من الاستفادة الكاملة من الإمكانات التي توفرها 27 دولة عضو. وعدم التجانس في اللوائح والمعايير عبر الحدود يمثل عقبة مستمرة، ورغم التقدم المحرز على مر السنين، إلا أن هناك حاجة ماسة لتسريع وتيرة التكامل.

الدوافع وراء الاستراتيجية

تأتي هذه الاستراتيجية مدفوعة بعدة عوامل رئيسية. أولاً، هناك الحاجة الملحة لتعزيز القدرة التنافسية الاقتصادية للاتحاد الأوروبي على الساحة العالمية. تتفوق كل من الولايات المتحدة والصين في مجالات رئيسية مثل التكنولوجيا المتقدمة والصناعات الضخمة، ويشعر الاتحاد الأوروبي بأنه يتخلف عن الركب في بعض الجوانب. إن سوقًا موحدة بالكامل يمكن أن يوفر للشركات الأوروبية حجمًا أكبر وقدرة أكبر على الابتكار والاستثمار.

ثانياً، تلعب التحديات الجيوسياسية المتزايدة دوراً في هذه الاستراتيجية. إن الاعتماد المفرط على سلاسل التوريد الخارجية، والتقلبات في الأسواق العالمية، والحاجة إلى أمن اقتصادي أكبر، كلها عوامل تدفع الاتحاد الأوروبي نحو تعزيز اكتفائه الذاتي وقدرته على الصمود. من خلال سوق موحدة، يمكن للاتحاد الأوروبي أن يقدم جبهة اقتصادية أكثر تماسكًا وقوة في مواجهة الضغوط الخارجية.

بالإضافة إلى ذلك، تسعى الاستراتيجية إلى تحفيز النمو الاقتصادي وخلق فرص عمل داخل الاتحاد الأوروبي. من المتوقع أن يؤدي تبسيط الإجراءات وتقليل التكاليف المرتبطة بالعمل عبر الحدود إلى تشجيع الاستثمار وزيادة الإنتاجية. كما يمكن أن تستفيد الشركات من سهولة الوصول إلى أسواق جديدة، مما يعزز من انتشار المنتجات والخدمات المبتكرة.

آليات التطبيق والأهداف الرئيسية

من المتوقع أن تركز آليات التطبيق على عدة محاور رئيسية. أولاً، سيتم العمل على توحيد المعايير والأنظمة عبر الدول الأعضاء، مع التركيز بشكل خاص على القطاعات التي تشهد تفاوتات كبيرة. يشمل ذلك تسهيل الاعتراف المتبادل بالشهادات، وتقليل الإجراءات البيروقراطية، وتبسيط عمليات المناقصات العامة.

ثانياً، ستشهد الاستراتيجية اهتمامًا كبيرًا بالرقمنة. يتمثل الهدف في إزالة الحواجز أمام التجارة الرقمية، وتسهيل وصول الشركات إلى الأسواق الرقمية، وتطوير بنية تحتية رقمية متكاملة. من خلال الاستفادة من التكنولوجيا، يمكن تحقيق كفاءة أكبر في العمليات التجارية وخلق فرص اقتصادية جديدة.

ثالثاً، سيتم التركيز على تعزيز حرية حركة العمال والمهنيين. يهدف هذا إلى الاستفادة الكاملة من المواهب ضمن الاتحاد الأوروبي، وتسهيل انتقال العمالة الماهرة إلى حيث تشتد الحاجة إليها، مما يدعم نمو القطاعات الحيوية ويعالج نقص العمالة في بعض المناطق.

التحديات والتوقعات المستقبلية

لا تخلو هذه الاستراتيجية الطموحة من التحديات. قد تواجه عملية توحيد المعايير واللوائح مقاومة من بعض الدول الأعضاء التي قد ترى في ذلك تهديدًا لسيادتها أو لمصالح اقتصادية محلية. علاوة على ذلك، فإن تحقيق التنسيق الكامل يتطلب جهودًا سياسية متواصلة وتعاونًا وثيقًا بين الحكومات الوطنية والمؤسسات الأوروبية.

من ناحية أخرى، أشارت العديد من دراسات الجدوى الصادرة عن مراكز بحثية أوروبية إلى أن النجاح في تحقيق سوق موحدة متكاملة بحلول عام 2027 يمكن أن يضيف ما يقدر بنسبة مئوية إضافية إلى الناتج المحلي الإجمالي للاتحاد الأوروبي، فضلاً عن خلق ملايين فرص العمل. هذه الأرقام تشير إلى الأهمية الاقتصادية الهائلة لتحقيق التكامل الكامل.

تتوقع الأوساط الاقتصادية وخبراء السياسة الأوروبية أن تبدأ المفوضية الأوروبية في تقديم مقترحات تشريعية محددة في الأشهر القادمة لتطبيق جوانب مختلفة من الاستراتيجية. النقاشات داخل مجلس الاتحاد الأوروبي والبرلمان الأوروبي ستكون حاسمة في تحديد سرعة وكفاءة التنفيذ. يبقى الموعد النهائي المحدد في عام 2027 واعدًا، لكن الطريق لا يزال طويلًا ومليئًا بالعقبات التي يجب تجاوزها لضمان نجاح “أوروبا واحدة، سوق واحدة”.

شاركها.