شهدت شبكة القطارات الليلية الأوروبية إحياءً متأخرًا، حيث كانت هناك تساؤلات حول مستقبلها لفترة طويلة. ومع اقتراب عام 2026، وهو العام الحاسم لتقييم المشاريع الجديدة وقرارات التمويل، يترقب الكثيرون ما إذا كانت الجهود المبذولة لإعادة إحياء القطارات المسائية في أوروبا ستنجح حقًا. فقد شهدت مدن مثل أمستردام ولشبونة وفيينا احتجاجات من ناشطين طالبوا باستثمارات أكبر في هذا النوع من النقل.
تستثمر شركة السكك الحديدية النمساوية الفيدرالية (ÖBB)، وهي أكبر مشغل للقطارات الليلية الدولية في أوروبا، مبالغ كبيرة في أسطولها الجديد من القطارات الليلية من الجيل القادم. فقد أعلنت الشركة عن استثمار يزيد عن 500 مليون يورو في هذه المشاريع، وهو أكبر استثمار في هذا المجال بين شركات السكك الحديدية الأوروبية، وفقًا لمتحدث باسم الشركة. ويهدف هذا الاستثمار إلى تشغيل 24 قطارًا ليليًا جديدًا بحلول منتصف عام 2026.
قطارات جديدة ومشاكل قديمة: تحديات تواجه القطارات المسائية في أوروبا
على الرغم من هذه الخطط الطموحة، فقد اضطرت شركة ÖBB إلى تقليص حجم أسطولها الأولي من 33 قطارًا، وتحويل جزء من التمويل إلى خدمات السكك الحديدية النهارية. ويعكس هذا التعديل التحديات التي واجهتها الشركة في الأشهر الأخيرة، بما في ذلك تخفيضات الدعم الحكومي الفرنسي التي أدت إلى تقليص خدمة قطارات Nightjet بين باريس وفيينا وبرلين.
هذه ليست المشكلة الوحيدة التي تواجه شركة ÖBB. فقد تم تعليق خط بروكسل-برلين في مارس بسبب أعمال هندسية في ألمانيا، كما تم تعليق خدمات القطارات المسائية بين فيينا وميلانو ومدينة لا سبيتسيا الساحلية بسبب أعمال البناء. وتشكل هذه العقبات تحديات مشتركة بين العديد من المشغلين الأوروبيين، بما في ذلك خط القطار الليلي SBB المخطط بين بازل وكوبنهاجن ومالمو، والذي تم إلغاؤه بعد سحب البرلمان السويسري للتمويل، على الرغم من طرح التذاكر للبيع بالفعل.
وتشير التقارير إلى أن هذه المشاكل تتجاوز التمويل، وتشمل أيضًا الاختلافات في أنظمة الإشارات وأحجام المسارات بين الدول الأوروبية، بالإضافة إلى تقلبات الطلب على الخدمات الجديدة. وتسعى اللوائح الجديدة لقدرة السكك الحديدية على مستوى الاتحاد الأوروبي إلى مواجهة هذه التحديات، ولكن مدى تأثيرها على القطارات المسائية لا يزال غير واضح.
جودة الأسطول والراحة
يقول بول كاتلر، العضو المؤسس والناشط في شبكة Back-on-Track المعنية بتحسين قطارات الركاب العابرة للحدود في أوروبا، إن القطارات الجديدة مثل قطارات Nightjet النمساوية تمثل خطوة حاسمة نحو زيادة الطلب على خدمات القطارات الليلية. ومع ذلك، يضيف أن معظم القطارات المسائية الأخرى في أوروبا لا تزال تعتمد على عربات قديمة يعود تاريخها إلى الخمسينيات والسبعينيات من القرن الماضي، مما يؤثر على الراحة والموثوقية.
الاستثمار في القطارات المسائية: مستقبل مستدام
بالإضافة إلى الراحة، يرى الناشطون أن الموثوقية وإجراءات التفتيش الحدودية ومستويات التوظيف تلعب دورًا مهمًا في جذب الركاب إلى القطارات الليلية كبديل للطيران. هذه العوامل تؤثر على تجربة السفر بشكل عام وقدرة القطارات الليلية على التنافس مع وسائل النقل الأخرى.
بدأت بعض الدول الأوروبية بالفعل في الاستثمار بشكل كبير في تحديث شبكات القطارات الليلية. ففي إيطاليا، تؤدي صفقة بقيمة 732 مليون يورو مع شركة سكودا التشيكية إلى إدخال 370 عربة قطار مسائية جديدة في السنوات القادمة. وتهدف هذه الصفقة إلى توفير مقصورات نوم “على طراز الفنادق” مع أسرة مزدوجة بدلاً من الطابقين.
كما أن فرنسا تستثمر في شبكتها الوطنية للقطارات الليلية، حيث تخطط لتقديم طلب لشراء 180 عربة جديدة لخدمات Intercités de Nuit الداخلية. ويضمن هذا الطلب استمرار تشغيل القطارات الليلية الفرنسية لمدة 20 عامًا على الأقل، مع إمكانية شراء 160 عربة إضافية لتوسيع الخدمات إلى المناطق التي تفتقر إلى الاتصال الجيد بالشبكة عالية السرعة.
ومع ذلك، فإن تكرار هذا الزخم عبر الحدود يمثل تحديًا. فالانسجام في السياسات والتمويل بين الحكومات غالبًا ما يكون صعبًا، مما يؤدي إلى تخفيضات مثل تلك التي حدثت في سويسرا وفرنسا. بالإضافة إلى ذلك، يجد مشغلو القطاع الخاص صعوبة في تعويض النقص بسبب ارتفاع تكاليف المعدات والحاجة إلى تجديد سعة المسار سنويًا.
يؤكد برنامج Back-on-Track أن تطوير شبكة القطارات المسائية يمثل طريقة “رخيصة” لتقليل الاعتماد على الطيران وتعزيز الاستدامة البيئية. وتقديرات تشير إلى أن شبكة قطارات مسائية متطورة يمكن أن تقلل من انبعاثات الغازات الدفيئة بنسبة تصل إلى 3 في المائة من إجمالي انبعاثات القطارات الليلية في الاتحاد الأوروبي من خلال استبدال الرحلات الجوية، خاصة على الطرق القصيرة المدى.
وفي السويد، قام مشغلو القطاع الخاص، RDC Deutschland وSnälltåget، بملء الفراغ بعد انسحاب شركة SJ، مما يوضح إمكانية استدامة القطارات الليلية من خلال التعاون بين القطاعين العام والخاص.
تستعد شركة European Sleeper لإطلاق خدمة جديدة في يونيو تربط بين أمستردام وبروكسل وميلانو، مع أسعار تبدأ من 29 يورو للمقاعد و80 يورو لمقاعد النوم الأساسية. وفي شهر مايو، ستطلق شركة Belmond خطًا فاخرًا بين باريس وساحل أمالفي. وتشير هذه المبادرات إلى زيادة الاهتمام وتنوع الخيارات المتاحة للمسافرين.
مستقبل القطارات المسائية الأوروبية يعتمد بشكل كبير على الدعم الحكومي المستمر والاستثمارات في البنية التحتية. وبالنظر إلى المستقبل، من المتوقع أن تتخذ الحكومات الأوروبية قرارات حاسمة بشأن التمويل بحلول عام 2026. ويتعين مراقبة مدى التزام هذه الحكومات بضمان بقاء القطارات الليلية على المسار الصحيح، بالإضافة إلى استكشاف إمكانية قيام بنك الاستثمار الأوروبي بتمويل المعدات الدارجة في إطار استراتيجيته لتمويل المناخ.






