في أول أيام صيام شهر رمضان المبارك، يشعر كثيرون بثقل غامض في الرأس، وصداع نابض يشبه طرقا خفيفا على الدماغ، كأنه رسالة احتجاج من فنجان القهوة الغائب. يعتقد البعض أن السبب هو الجوع أو انخفاض السكر، لكن الحقيقة العلمية أكثر تعقيدا: إنها أعراض انسحاب الكافيين (Caffeine Withdrawal)، وهي ظاهرة شائعة تواجه محبي المشروبات التي تحتوي على الكافيين.

تتسبب فترة الصيام الطويلة في انقطاع إمداد الجسم بالكافيين، وهو المنبه الأكثر استهلاكا في العالم. هذا الانقطاع المفاجئ يؤدي إلى تفاعل فسيولوجي يمكن أن يسبب مجموعة من الأعراض المزعجة، أبرزها الصداع، مما يجعل بداية رمضان تجربة صعبة للبعض.

ما هو “انسحاب الكافيين” ولماذا يسبب الصداع؟

يسمي العلماء هذه الحالة “صداع الانسحاب”، وهي استجابة فسيولوجية طبيعية تحدث عندما يتوقف الجسم فجأة عن الحصول على جرعته اليومية المعتادة من المنبهات مثل القهوة والشاي.

يعمل الكافيين بشكل أساسي على تضييق الأوعية الدموية في الدماغ. عند التوقف المفاجئ عن استهلاكه، تتوسع هذه الأوعية بسرعة، مما يؤدي إلى زيادة تدفق الدم وضغطه على المستقبلات العصبية، وهذا الضغط هو ما يسبب الشعور بالألم والذي يعرف بالصداع.

بالإضافة إلى توسع الأوعية الدموية، تشير الأبحاث إلى أن تراكم مادة “الأدينوزين” في الدماغ، والتي يلعب الكافيين دورا في منع ارتباطها بمستقبلاتها، يلعب دورا إضافيا في الشعور بالنعاس والإرهاق والصداع. يمكن أن تترافق هذه الأعراض مع الشعور بالعصبية، صعوبة التركيز، وتدهور عام في المزاج.

لماذا يظهر صداع الكافيين بقوة في رمضان؟

في رمضان، يتزامن الامتناع عن القهوة والشاي مع ساعات الصيام الطويلة، مما يجعل أعراض انسحاب الكافيين أكثر وضوحا وشده، خاصة لدى الأشخاص الذين يعتمدون على كميات كبيرة من الكافيين يوميا. غالبًا ما يتعلق الأمر بالكمية المستهلكة؛ فمن يستهلك أكثر من 200 ملغ من الكافيين يوميًا (ما يعادل حوالي كوبين إلى أربعة أكواب من القهوة، حسب قوتها) يكون أكثر عرضة لهذه الأعراض.

تظهر الأعراض عادة في غضون 24 ساعة من آخر جرعة كافيين، وقد تستمر لمدة تتراوح بين يومين إلى تسعة أيام، حيث يحتاج الجسم وقتًا للتكيف مع المستوى الجديد لعدم وجود الكافيين.

متى تشرب القهوة بعد الإفطار؟

مع حلول أذان المغرب، يميل الكثيرون إلى تناول القهوة فورًا بعد ساعات طويلة من الصيام، لكن خبراء التغذية ينصحون بتأجيل هذه العادة لتجنب إرهاق الجسم.

تشير التوصيات الغذائية إلى أن أفضل توقيت لاستهلاك القهوة هو بعد مرور ساعة إلى ساعتين على وجبة الإفطار. هذا التوقيت يسمح للجسم بإعادة توازن نسبة السوائل والسكر في الدم تدريجياً بعد الصيام، ويقلل من الضغط على المعدة والجهاز العصبي.

كما يؤكد المختصون على أهمية البدء بوجبة الإفطار بكسر الصيام بالماء والتمر، وهي طريقة تقليدية وهامة لإعادة ترطيب الجسم وتزويده بالطاقة اللازمة بهدوء قبل استهلاك المشروبات المنبهة.

“صداع الانسحاب”، هو استجابة طبيعية تحدث عندما يتوقف الجسم عن الحصول على جرعته اليومية من الكافيين (الجزيرة)

كيف تتجنب “صداع القهوة” في رمضان؟

للتخفيف من حدة صداع الكافيين خلال شهر رمضان، يمكن اتباع بعض الاستراتيجيات البسيطة:

  • تقليل استهلاك الكافيين تدريجيًا في الأيام التي تسبق رمضان، بدلًا من التوقف المفاجئ.
  • شرب كميات وفيرة من الماء فور الإفطار لتعويض فقدان السوائل خلال النهار.
  • الانتظار لمدة ساعة أو ساعتين بعد الإفطار قبل تناول أي مشروبات تحتوي على الكافيين.
  • الاعتدال في الكمية المستهلكة لتجنب الشعور بالدوخة أو اضطرابات المعدة، وللحد من تكرار أعراض الصداع والتوتر.

القهوة بين العادة والحاجة البيولوجية

في الثقافة العربية، غالبًا ما تكون القهوة جزءًا لا يتجزأ من طقوس الإفطار، إلا أن هذا الارتباط يتعدى مجرد العادة الاجتماعية ليصل إلى درجة الاعتماد البيولوجي على الكافيين. هذا الاعتماد يجعل عملية التوقف المفاجئ عن استهلاكها تجربة قد تكون صعبة ومليئة بالأعراض المزعجة للبعض، مما يستدعي التهيؤ لها مسبقًا.

شاركها.