في ظل تسارع المشهد الرقمي عالميًا، تكشف متابعة آخر أخبار التكنولوجيا عن تحولات عميقة لا تقتصر على تطوير التطبيقات والأجهزة فحسب، بل تمتد آثارها إلى الاقتصادات الوطنية وأسواق المال والاستثمارات الضخمة. من قرار روسيا حظر واتساب، إلى سباق تطوير أنظمة عسكرية ذاتية، وصولًا إلى استثمارات بمئات المليارات في مراكز بيانات الذكاء الاصطناعي، يبدو أن العالم يدخل مرحلة جديدة تتداخل فيها التقنية مع القرارات الاقتصادية والسيادة الرقمية بشكل مباشر.
روسيا تحظر واتساب وتروّج لبديل محلي
أكد الكرملين رسميًا حظر تطبيق واتساب داخل روسيا بدعوى عدم امتثاله للقوانين المحلية. وصرّح المتحدث باسم الكرملين ديمتري بيسكوف أن القرار تم اتخاذه وتنفيذه بالفعل نتيجة ما وصفه بالامتناع عن الالتزام بالتشريعات الروسية.
في المقابل، دفعت موسكو المستخدمين نحو تطبيق محلي جديد يُدعى ماكس أُطلق عام 2025، وتروج له السلطات بوصفه خدمة مراسلة وطنية ناشئة. إلا أن التطبيق لا يوفر تشفيرًا شاملاً للمحادثات، ما أثار مخاوف قانونيين من احتمال تحوله إلى أداة رقابية.
لم يمر القرار دون رد. إذ اعتبرت شركة ميتا المالكة لواتساب أن حظر التطبيق يهدد خصوصية أكثر من 100 مليون مستخدم في روسيا، ووصفت الخطوة بأنها تراجع عن ضمانات الاتصال الآمن.
كما شمل التشديد الروسي تطبيق تيليجرام الذي أسسه بافيل دوروف، حيث فُرضت عليه قيود بدعوى مخالفات تنظيمية. ويعكس هذا المشهد سعي موسكو لإحكام السيطرة على فضاء الاتصالات الرقمية داخل حدودها.
معرض الدفاع العالمي 2026: تقنيات تُبعد البشر عن المعارك
بعيدًا عن تطبيقات المراسلة، برزت تحولات تقنية أخرى خلال فعاليات معرض الدفاع العالمي 2026 الذي اختتم أعماله في ملهم شمال الرياض.
المعرض كشف عن توجه متصاعد نحو تقليل الاعتماد على العنصر البشري في ساحات القتال. من روبوتات إزالة المتفجرات إلى أنظمة رماية يتم التحكم بها عن بعد، وصولًا إلى طائرات بلا طيار تنفذ مهام استطلاعية وهجومية، تتشكل ملامح حروب تعتمد على الآلة أكثر من الإنسان.
وأكد مختصون في الصناعات العسكرية أن الأنظمة الحديثة باتت تعتمد على حساسات وكاميرات ورادارات مؤتمتة بالكامل، ما يقلل المخاطر على الأفراد ويزيد من دقة العمليات. هذه التقنيات لا تقتصر على البر، بل تمتد إلى البحر والجو وحتى الفضاء، في مؤشر واضح إلى اتساع نطاق المنافسة التقنية بين الدول.
أنثروبيك وكلود: الذكاء الاصطناعي يقتحم التحليل المالي
في سياق آخر، أعلنت شركة أنثروبيك المطورة لتطبيق كلود عن إصدار جديد يحمل اسم Claude Opus 4.6، يمنح قدرات متقدمة في التحليل المالي.
التحديث الجديد يمكّن التطبيق من:
- تقييم بيانات الشركات والإفصاحات التنظيمية
- تحليل معلومات الأسواق بشكل معمق
- تنفيذ مهام متعددة الخطوات بصورة شبه مستقلة
الإعلان أثار قلق شركات التحليل المالي التقليدية، ما أدى إلى تراجع أسهم بعضها نتيجة مخاوف من تأثير وكلاء الذكاء الاصطناعي على نماذج أعمالها.
وفي المقابل، عززت شركة أوبن إيه.آي حضورها بإطلاق نسخة مطورة من نموذجها المتخصص في البرمجة، ما يؤكد احتدام المنافسة على تطوير أنظمة قادرة على إنجاز مهام كاملة دون تدخل بشري مباشر.
اكتشاف الثغرات والتحذير من القراصنة
أكدت أنثروبيك أن الإصدار الجديد تمكن من رصد أكثر من 500 ثغرة خطيرة غير مكتشفة سابقًا في برمجيات مفتوحة المصدر. غير أنها حذرت في الوقت ذاته من تزايد استغلال الذكاء الاصطناعي من قبل القراصنة لتنفيذ هجمات أكثر تعقيدًا، ما يضع العالم أمام معادلة دقيقة بين تسريع الابتكار وتعزيز الأمن الرقمي.
أداني تستثمر 100 مليار دولار في مراكز بيانات الذكاء الاصطناعي
على صعيد الاستثمارات، أعلنت أداني إنتربرايزز أنها ستستثمر 100 مليار دولار حتى عام 2035 لإنشاء مراكز بيانات تعمل بالطاقة المتجددة مخصصة للذكاء الاصطناعي.
وتهدف المجموعة إلى بناء أكبر منصة متكاملة لمراكز البيانات عالميًا، مع توقعات بتحفيز استثمارات إضافية تصل إلى 150 مليار دولار في قطاعات مرتبطة مثل الحوسبة السحابية وتصنيع الخوادم.
بدورها، كانت جوجل قد أعلنت في 2025 استثمار 15 مليار دولار لإنشاء مركز بيانات للذكاء الاصطناعي في ولاية أندرا براديش الهندية، ما يعكس تصاعد التنافس على ترسيخ ريادة الهند في هذا المجال.
هذه الاستثمارات الضخمة تشير إلى أن البنية التحتية للذكاء الاصطناعي ستصبح عنصرًا استراتيجيًا لا يقل أهمية عن الطاقة أو الموارد الطبيعية في العقود المقبلة.
عالم يتغير بسرعة غير مسبوقة
من حظر تطبيقات المراسلة إلى سباق التسلح التقني، ومن تطوير وكلاء ذكاء اصطناعي ماليين إلى ضخ استثمارات بمئات المليارات في مراكز البيانات، تتضح ملامح مرحلة جديدة عنوانها التحكم بالمعلومات والقدرات الحسابية.
الدول تسعى إلى سيادة رقمية، والشركات تتنافس على الهيمنة التقنية، بينما يجد المستخدم نفسه في قلب هذا التحول، متأثرًا بكل قرار تنظيمي أو ابتكار جديد.
النهاية
المشهد التقني العالمي يشهد إعادة تشكيل شاملة تمس الاتصالات والأمن والاقتصاد معًا. حظر تطبيقات، تطوير بدائل وطنية، أتمتة ساحات المعارك، وتسابق على بناء بنية تحتية للذكاء الاصطناعي، كلها مؤشرات على أن العالم يدخل عصرًا تتحدد فيه القوة بامتلاك التقنية والتحكم بها. ومع تسارع هذه التحولات، تصبح المتابعة الدقيقة والتحليل الواعي ضرورة لفهم ما يحدث اليوم واستشراف ما سيأتي غدًا.


