يشهد سوق العمل تحولاً كبيراً، يُعرف بـ “التكيف الكبير للقوى العاملة”، حيث يتجه المزيد من المهنيين نحو مسارات وظيفية متنوعة. وفقًا لتقرير “مراقب العمل 2026” الصادر عن شركة راندستاد، والذي أُطلق اليوم في المنتدى الاقتصادي العالمي في دافوس، يعتقد أكثر من ثلث العاملين أن المسارات الوظيفية التقليدية لم تعد مناسبة لمواجهة التغيرات المتسارعة في سوق العمل. هذا التحول في التوجه الوظيفي، أو ما يُعرف بالـ **مسار وظيفي متنوع**، يمثل اتجاهاً قوياً من المتوقع أن يزداد تأثيره في عام 2026.

الأمر اللافت للنظر هو أن 72٪ من أصحاب العمل أنفسهم يتفقون مع هذا الرأي. يشير هذا التوافق إلى اعتراف متزايد بأن نماذج التوظيف التقليدية قد تحتاج إلى إعادة تقييم لتلبية احتياجات القوى العاملة المتغيرة. وتظهر البيانات أن 25٪ من المواهب تسعى الآن بنشاط إلى بناء مسار وظيفي متنوع، مما يعني الانتقال بين وظائف وقطاعات مختلفة طوال حياتهم المهنية.

المرونة تأتي بثمن: ما مدى أهمية الاستقرار؟

إن بناء مجموعة متنوعة من الخبرات والمهارات يمنح العاملين المزيد من الخيارات والمرونة في مواجهة التحديات، ولكنه في الوقت نفسه يطرح تحديات تتعلق بإدارة مهام متعددة وموازنة الأولويات. هذا التوازن الدقيق بين الفرص والتحديات يجعل المسار الوظيفي المتنوع سيفاً ذا حدين.

ربما يفسر ذلك سبب تصدر التوازن بين العمل والحياة كعامل رئيسي للاحتفاظ بالموظفين على مستوى العالم، حيث أشار 46٪ من المستطلعين إلى ذلك. يتفوق هذا العامل على الأمور التي كانت تعتبر تقليدياً مهمة مثل الرواتب التنافسية والمزايا (23٪). هذا التحول يعكس تغيراً في القيم والأولويات لدى القوى العاملة.

الأجيال الشابة هي الأكثر إصراراً على هذا الأمر. فقد ذكر ما يقرب من نصف أفراد الجيل زد (45٪) والجيل الألفي (43٪) على مستوى العالم أنهم سيستقيلون من وظيفة لا تتناسب مع حياتهم الشخصية، مقارنة بـ 37٪ من الجيل إكس و 30٪ من جيل ما قبل الحرب. هذا الاختلاف في وجهات النظر يسلط الضوء على أهمية تلبية احتياجات الأجيال المختلفة في مكان العمل.

أهمية الأمن الوظيفي في بعض الدول

لا يزال الأمن الوظيفي يمثل أولوية قصوى بالنسبة للعديد من العاملين، وفي بعض الحالات، مثل النمسا وألمانيا، يتفوق على التوازن بين العمل والحياة كأهم سبب للبقاء في وظيفة. ومع ذلك، فإن الاتجاه العام يشير إلى أن العوامل غير المادية، مثل الرضا الوظيفي والفرص المتاحة للتطور المهني، تكتسب أهمية متزايدة.

ما يبرز بشكل خاص هو أن الراتب يظهر كأقل العوامل أهمية في الحفاظ على الموظفين. فبخلاف المجر، لم تختار أي دولة أخرى من بين 25 دولة شملها الاستطلاع الراتب كأهم سبب للبقاء في وظيفة. هذا يشير إلى أن العاملين يبحثون عن أكثر من مجرد تعويض مالي، وأنهم يقدرون العوامل الأخرى التي تساهم في رفاهيتهم وسعادتهم.

تصدر التوازن بين العمل والحياة أيضاً في الأرجنتين (44٪) وأستراليا (50٪) والبرازيل (45٪) وكندا (43٪) والمكسيك (43٪) والصين (44٪). كما أظهرت بعض الدول الأوروبية مثل هولندا (52٪) وبولندا (51٪) وإيطاليا (52٪) معدلات أعلى. هذه البيانات تؤكد على الأهمية العالمية للتوازن بين العمل والحياة.

المهارات المشتركة بين القطاعات والذكاء الاصطناعي: أهم النصائح للمسار الوظيفي المتنوع

تشير راندستاد في تقريرها إلى أن “المواهب تعيد تعريف النجاح من خلال تخفيف المخاطر – من خلال بناء **مسار وظيفي متنوع** والبحث عن الأمان من خلال التنوع بدلاً من الاستمرارية”. هذا التحول يتطلب من العاملين تطوير مجموعة متنوعة من المهارات التي يمكن تطبيقها في مختلف الصناعات والوظائف.

صرح السيد ساندر فان ‘ت نوردي، الرئيس التنفيذي لشركة راندستاد، في حديث لـ “أوروبا في الحركة” بأن المواهب الشابة التي تسعى إلى هذه المسارات يجب أن “تركز على المهارات التي تنتقل عبر الأدوار والقطاعات”، بما في ذلك “المهن الماهرة والعمل العملي، وليس فقط الأدوار المكتبية التقليدية”. ويؤكد على أهمية الاستثمار في تطوير المهارات التقنية والمهنية.

وأضاف أن “تبني عقلية التعلم المستمر أمر حيوي، خاصة فيما يتعلق بكيفية العمل مع الذكاء الاصطناعي، وعدم التقليل من قيمة الحكم البشري والإبداع والتعاون”. الذكاء الاصطناعي يمثل فرصة كبيرة للعاملين، ولكنه يتطلب أيضاً استعداداً للتكيف وتعلم مهارات جديدة.

المديرون والموظفون: هل يظهر تحالف جديد؟

على الرغم من غرابة الأمر، إلا أن عدم اليقين الوظيفي يؤدي بطريقة ما إلى تقريب المديرين والموظفين من بعضهم البعض. فأصحاب العمل يطلبون من مدراءهم إجراء فحوصات أكثر انتظاماً مع فرقهم (66٪) وسط مخاوف بشأن الاستقالات والإرهاق.

في الوقت نفسه، يميل الموظفون إلى التواصل مع مدراءهم بشكل متكرر (60٪) بسبب القلق بشأن البيئة الاقتصادية الكلية المتقلبة الحالية. تصف راندستاد المديرين بأنهم “مراسي الاستقرار” في سوق العمل اليوم.

وتقول الشركة: “في ظل الاضطرابات والتحديات الاقتصادية، يتعرض مستوى الثقة بين أصحاب العمل والمواهب لضغوط أكبر. ومع ذلك، مع وجود مستويات عالية من الثقة بين المديرين والعاملين، تتاح لأصحاب العمل فرصة لفهم الديناميكيات التي تدفع دوافع وطموحات مواهبهم بشكل أفضل”.

وتضيف: “يجب عليهم الاستفادة من هذه المراسي للاستقرار لإعادة بناء الثقة وتعزيز الولاء”. إن بناء علاقات قوية بين المديرين والموظفين أمر ضروري لخلق بيئة عمل إيجابية ومنتجة.

من المتوقع أن يستمر هذا الاتجاه نحو المسارات الوظيفية المتنوعة في السنوات القادمة، مع تزايد أهمية المهارات القابلة للنقل والتوازن بين العمل والحياة. ستحتاج الشركات إلى التكيف مع هذه التغييرات من خلال تقديم فرص تدريب وتطوير مستمرة، وتعزيز ثقافة الثقة والمرونة، والاستثمار في رفاهية موظفيها. المراقبة الدقيقة لتطورات سوق العمل وتقييم تأثير التكنولوجيا، وخاصة الذكاء الاصطناعي، سيكون أمراً بالغ الأهمية لاتخاذ قرارات مستنيرة في المستقبل القريب.

شاركها.