تخطط الولايات المتحدة لسحب ما يقرب من 5000 جندي من ألمانيا، وهو ما يثير مخاوف بشأن تقليص أوسع للقوات الأمريكية في جميع أنحاء أوروبا. يأتي هذا القرار، الذي أعلنت عنه وزارة الدفاع الأمريكية (البنتاغون)، في الوقت الذي تتعامل فيه القوات الأمريكية مع تحديات لوجستية وسياسية معقدة تتعلق بتمركزها في القارة.
يبلغ قوام القوات الأمريكية المتمركزة حاليًا في ألمانيا حوالي 36 ألف جندي، وتضم عدة قواعد عسكرية رئيسية، بما في ذلك قاعدة رامشتاين الجوية، ومقرات القيادة، ومركز طبي استقبل المصابين من حروبي أفغانستان والعراق. تعزز هذه القواعد وجود حلف شمال الأطلسي (الناتو) في أوروبا، وتدعم عمليات التدريب المشتركة مع الحلفاء.
سحب القوات الأمريكية من ألمانيا: الأسباب والتداعيات
يمثل الانسحاب المخطط له لحوالي 5000 جندي ما يقرب من 14% من إجمالي أعداد الأفراد العسكريين المتمركزين في ألمانيا. وتشمل هذه القوات فريقًا قتاليًا وكتيبة مدفعية طويلة المدى، والتي كانت إدارة الرئيس بايدن تخطط لنشرها في أوروبا، لكنها لن يتم نشرها الآن. صرح شون بارنيل، المتحدث باسم البنتاغون، بأن القرار جاء بعد “مراجعة شاملة لوضع القوات في أوروبا، واعترافًا بمتطلبات المسرح الجغرافي والظروف على الأرض”.
يأتي هذا الإعلان متسقًا مع التهديدات التي أطلقها الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب في الماضي بشأن تقليص القوات. ففي نهاية فترة ولايته الأولى عام 2020، أعلن عن خطط لسحب نحو 9500 جندي أمريكي من ألمانيا، وهي خطة واجهت معارضة قوية من الكونغرس قبل أن توقفها إدارة بايدن. ورغم الانتقادات، أكد ترامب خلال تصريحات له مؤخرًا أن إدارته ستقوم بـ “قطع أعداد أكبر بكثير” من الـ 5000 جندي المذكورة.
يُشير العديد من المحللين إلى أن قانون الدفاع الأمريكي، الذي دخل حيز التنفيذ هذا العام، يفرض قيودًا على البنتاغون فيما يتعلق بإجراء تخفيضات كبيرة في أعداد القوات المتمركزة في أوروبا. وينص القسم 1249 من قانون تفويض الدفاع الوطني لعام 2026 على أنه لا يمكن للإدارات استخدام ميزانية البنتاغون لتقليل أعداد القوات في أوروبا إلى ما دون 76 ألف جندي لأكثر من 45 يومًا، إلا في حال استيفاء شروط معينة.
القيود القانونية وتكاليف سحب القوات
تتضمن هذه الشروط ضرورة التصديق على أن التخفيضات تخدم المصالح الأمنية القومية الأمريكية، والتشاور مع حلفاء الناتو قبل اتخاذ القرار، وتقديم تقرير مفصل إلى الكونغرس. كما يوجد فترة انتظار، مما يعني أن التخفيضات الكبيرة لا يمكن أن تتم على الفور. علاوة على ذلك، فإن سحب القوات من أوروبا يعتبر عملية معقدة ومكلفة.
وتوضح التحليلات، مثل تلك الصادرة عن لانا فيكس من معهد “مجلس العلاقات الخارجية” الأمريكي، أن القوات الأمريكية في ألمانيا مدمجة في هياكل القيادة العالمية، مما يجعل نقلها عملية معقدة لوجستيًا ومكلفة، وقد يؤدي إلى إضعاف الجاهزية العسكرية. من جانبهم، قلل المسؤولون الألمان من التأثير المباشر لانسحاب 5000 جندي، حيث وصف وزير الدفاع بوريس بيستوريوس الخطوة بأنها “متوقعة”، ودعا إلى تحمل أوروبا المزيد من المسؤولية عن أمنها. وقد أعرب وزير الخارجية يوهان فادبول والمستشار فريدريش ميرتز عن هدوء مماثل، مع التأكيد على أن الولايات المتحدة تقوم دائمًا بإعادة نشر قواتها حول العالم.
في المقابل، أشار النقاد والسياسيون إلى أن التهديد بعدم نشر صواريخ توماهوك على الأراضي الألمانية يشكل خطرًا أكبر من سحب القوات، حيث يترك برلين فجوة صاروخية لا يمكنها تعويضها بمفردها. يبقى تقييم التأثير الكامل لهذه التطورات على الأمن الأوروبي والأمريكي مسألة مستمرة، مع ترقب خطوات الولايات المتحدة المستقبلية في تحديد تمركز قوتها في القارة.






