في ظل نتائج الانتخابات المحلية المخيبة للآمال، أكد رئيس الوزراء البريطاني سير كير ستارمر يوم الجمعة أنه لن يتنحى تاركاً البلاد في حالة من الفوضى، وذلك بعد أن تخلى ملايين الناخبين عن حزب العمال. تأتي هذه التصريحات عقب خسارة الحزب لمئات المقاعد لصالح حزب “إصلاح المملكة المتحدة” بقيادة نايجل فاراج، وهو ما يمثل تراجعاً حاداً عن الأغلبية التاريخية التي حققها حزب العمال قبل أقل من عامين.
واعترف ستارمر بأن النتائج “صعبة للغاية” ولا يمكن تبريرها، مشيراً إلى خططه لإعادة إطلاق رئاسته للوزراء بدءاً من خطاب كبير يوم الاثنين، من المتوقع أن يعد فيه بتقريب العلاقات مع الاتحاد الأوروبي. هذا التوجه يتوافق مع المزاج العام للمواطنين، حيث يرى غالبية الناخبين، بعد ما يقرب من عشر سنوات من استفتاء خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي (بريكست)، أن القرار كان خطأ.
الاتحاد الأوروبي يرى فرصة ومخاطر في مستقبل العلاقة مع بريطانيا
في بروكسل، يُتوقع أن يرحب المسؤولون بتحسن العلاقات الثنائية بعد عقد اتسم بالانفصال المرير عن الاتحاد الأوروبي. لقد أدت الأحداث العالمية، مثل الحرب في أوكرانيا وإعادة انتخاب دونالد ترامب، إلى تقريب وجهات النظر بين المملكة المتحدة والاتحاد الأوروبي، خاصة في قضايا الدفاع. لعب ستارمر دوراً مهماً في حشد التحالف الداعم لأوكرانيا، وقد تعهد الشهر الماضي بتقديم دعم معزز لكييف في الوقت الذي تراجعت فيه الولايات المتحدة عن مساعداتها.
كما انسجم ستارمر مع النهج الحذر للاتحاد الأوروبي تجاه الحرب في إيران، داعياً إلى ضبط النفس رغم الانتقادات الشديدة من الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لعدم الانضمام إلى الصراع. ومع ذلك، يبدي الاتحاد الأوروبي حذراً أيضاً.
ضعف ستارمر واستقطاب الحلفاء
يعتبر ستارمر حالياً نقطة ضعف تاريخية؛ فالاستطلاعات الوطنية تظهر تراجع شعبية حزب العمال إلى أقل من 20%، وفي بعض الأحيان يأتي خلف حزب المحافظين وحتى حزب الخضر. كما يتخلف الحزب بفارق كبير عن حزب “إصلاح المملكة المتحدة” الذي يحظى بنحو 25% من التأييد.
تقييمات ستارمر الشخصية كارثية؛ إذ تظهر استطلاعات الرأي أن 19% فقط من الناخبين يوافقون على قيادته، ويبلغ صافي شعبيته -45%. وتتشير أسواق المراهنات إلى أن احتمالات تنحيه قبل نهاية يونيو باتت متساوية.
في ظل هذه الظروف، ترتفع همسات التحديات المحتملة من داخل حزب العمال. تدور شائعات في وستمنستر حول منافسات محتملة من شخصيات مثل نائبة رئيس الوزراء السابقة أنجيلا راينر، ووزير الصحة ويس ستريتنج، وعمدة مانشستر آندي بورنهام.
هذا الوضع له تداعيات في بروكسل، حيث لا يوجد استحسان لإعادة فتح مفاوضات صعبة مع حكومة بريطانية ضعيفة قد تتراجع تحت الضغط الداخلي أو تتغير بفعل الأحداث. صرح دبلوماسي أوروبي بأن “أي شيء سيتم طرحه سيظل بحاجة إلى التفاوض، وسنكون حذرين بشأن الالتزام الكامل مع ستارمر إذا غادر منصبه خلال بضعة أشهر.”
مستقبل غير مؤكد وتحديات إضافية
وبالنظر إلى المدى الأطول، يتصدر حزب “إصلاح المملكة المتحدة” الاستطلاعات منذ أوائل عام 2025، وتقول شركات المراهنات إن لديهم فرصاً قوية للفوز بالانتخابات العامة المقبلة، والتي يجب أن تجرى بحلول عام 2029.
حتى لو بدأ الناخبون في الترحيب بالاتحاد الأوروبي مجدداً، فإن رئيس الوزراء المحتمل هو نايجل فاراج، الذي قاد أيضاً النسخة السابقة من حزب “إصلاح المملكة المتحدة”، حزب البريكست. وقد تعهد باتباع نهج أكثر صرامة تجاه الاتحاد الأوروبي، بما في ذلك إعادة التفاوض على اتفاقية التجارة ما بعد البريكست لشطب حقوق مزايا مواطني الاتحاد الأوروبي.
ويقول فابيان زوليغ، الرئيس التنفيذي لمركز السياسات الأوروبية: “منذ خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، كان هناك قلق في بروكسل بشأن قيام بريطانيا بالتزامات لا يمكنها الوفاء بها، خاصة إذا كان يمكن نقضها من قبل حكومة فاراج.”
إعادة ضبط بطيئة وشكوك مستمرة
تتجاوز التحديات المسائل السياسية المتعلقة بمصير ستارمر وحزب العمال، حيث تجد بروكسل صعوبة في قياس مدى انخراط المملكة المتحدة. على الرغم من “إعادة الضبط” التي أعلن عنها ستارمر بعد دخوله داوننج ستريت، إلا أن التقدم كان بطيئاً ومقيداً بشدة بـ”الخطوط الحمراء” الخاصة بحزب العمال: لا عودة إلى السوق الموحدة، ولا اتحاد جمركي، ولا حرية حركة.
لقد تقدمت المفاوضات في بعض المجالات، لا سيما في مجال التعاون الدفاعي، والروابط الطاقوية، واتفاق بيطري يهدف إلى الحد من الاحتكاكات التجارية بعد البريكست. ومع ذلك، لا تزال العديد من الطموحات الرئيسية عالقة في نزاعات فنية حول التمويل، والمواءمة التنظيمية، وبرامج التنقل الشبابي.
لقد واجهت المحادثات بشأن مشاركة المملكة المتحدة في صندوق الدفاع الأوروبي “SAFE” البالغ 150 مليار يورو جدلاً حول المساهمات المالية، بينما أصبحت المفاوضات حول الرسوم الدراسية للطلاب وقيود التنقل محفوفة بالمخاطر سياسياً في لندن.
في بروكسل، هناك أيضاً إحباط من أن بريطانيا لا تزال تبدو غير متأكدة من نوع العلاقة طويلة الأمد التي تريدها بالفعل.
يزعم مسؤولو الاتحاد الأوروبي بشكل متزايد أن لندن لا يمكنها في الوقت نفسه المطالبة بوصول أعمق إلى أجزاء من السوق الموحدة مع رفض العديد من الالتزامات المصاحبة لها. لم يختفِ الشك القديم من حقبة البريكست بشأن “الانتقائية” البريطانية بالكامل.
في الوقت الحالي، لا يزال القادة الأوروبيون يعتبرون ستارمر جاداً وعملياً ويفضلونه بشكل لا يقارن على فوضى بوريس جونسون، أحد أسلافه. لكن في الكواليس، يخشى المسؤولون من أن موقفه السياسي المتضعضع قد يجعل حتى الاتفاقات المتواضعة أكثر صعوبة في التنفيذ.
قليلون في بروكسل يرغبون في استنزاف رأس المال السياسي للتفاوض على صفقات حساسة مع رئيس وزراء بريطاني قد لا يبقى طويلاً بما يكفي لتنفيذها، أو قد يقوم خليفته بإلغائها.






